البحر الأحمر … بؤرة التصادمات الاستراتيجية العالمية
الاهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر تكمن في أنه الشريان الحيوي للتجارة العالمية
أهم الأهداف الاستراتيجية للإمارات التمدد في القرن الافريقي وعينها على المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر الأحمر
هل ستقوم (ابو ظبي) بالوكالة عن (تل أبيب) في تمرير سياساتها في الاستحواذ على ثروات البحر الأحمر ؟
تقرير – دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
واحدة من أهم ما افرزته حرب السودان الماثلة أن وقوع السودان في قلب الاستراتيجيات العالمية المتصارعة قد كشف بجلاء ووضوح أن دولة الإمارات العربية المتحدة حين وضعت استراتيجيتها الخاصة بالتمدد في افريقيا جنوب الصحراء لاسيما في منطقة القرن الافريقي اعتبرت السودان هو المعادل الأهم في تلك الاستراتيجية إلا أنها وهي تصمم تلك الاستراتيجية لا تلتقي مع الشعارات التي يطرحها النظام الحاكم في الخرطوم وقتها والتي لها منطلقات تنتهج منهج الإسلام السياسي والذي ذاع صيته مع نهايات الألفية السابقة وقد حاولت ابوظبي ترويض نظام الخرطوم بتقديم بعض المحفزات المليارية الدولارية لانقاذ الاقتصاد السوداني الذي زادت تصدعاته بعد انفصال الجنوب في دولة مستقلة وقد انتهزت الإمارات تلك الأثار الاقتصادية والسياسية فعملت على تحريك مجموعات سياسية من هنا وهناك لتتشكل بعد أشهر وسنوات ثورة شعبية ضد النظام القائم ظهرت للعلن في نهايات ديسمبر 2018م لتستكمل الحلقات في11 أبريل 2019م وبعدها بدأت مرحلة وصول الإمارات لمطامحها بل مطامعها الاستراتيجية على النحو الذي لا يحتاج لكثير تفصيل.
البحر الأحمر والسودان والإمارات:

بقراءة متانية لتطورات ما جرى ويجري في السودان خاصة بعد الحرب الماثلة أي مرحلة 15 أبريل 2023م نلحظ بوضوح أن السودان والبحر الأحمر يمثلان متلازمة للاستراتيجية الإماراتية والتي تقوم على تعزيز النفوذ الاقتصادي والأمني عبر الاستثمار في الموانئ والمناطق الزراعية خاصة ان موقع السودان الاستراتيجي على سلحل البحر الاحمر يمكن ان يكون معبرا لها إلى القرن الافريقي وحتى إلى دول افريقيا جنوب الصحراء ..وبالطبع هذا الموقع المتميز للبحر الاحمر وللسودان قد جعل من البحر الاحمر والسودان بؤرة للتصادمات الاستراتيجية مما يجعلهما (السودان والبحر الاحمر) مسرحا لتلك التصادمات.. فالبحر الاحمر والذي يمتلك فيه السودان ساحل بطول 780كيلو متر أي ما يعادل 580 ميلا حيث يمثل هذا الساحل أهمية استراتيجية للسودان ولبعض دول الجوار السوداني لجمهورية تشاد واثيوبيا وجنوب السودان وهي كلها دول حبيسة أفضل منفذ لها البحر الاحمر ومن هنا يمثل البحر الاحمر ووفقا لاستراتيجية دولة الإمارات اهمية قصوى لها ..فهذه الدول الثلاث لها علاقات مميزة مع دولة الإمارات العربية المتحدة وهذه العلاقة المتميزة مكنتها ومن خلال الحرب الماثلة أن تجير حدودها الكبيرة مع السودان لمصلحة دعم ورعاية قوات الدعم السريع المتمردة والتي تخوض حربها بالوكالة عن ابوظبي فاستطاعت عن طريق هذه الدول تقديم الدعم اللازم للتمرد حيث كانت معبرا لتمرير الاسلحلة والذخائر والمسيرات والمرتزقة على النحو الذي شهده العالم طوال فترة الحرب.
البحر الأحمر.. السودان ومصر والإمارات:
كانت الرؤية الاستراتيجية المصرية وإلى وقت قريب تقوم على أن أمن البحر الأحمر يمثل أهمية قصوى ويتركز دورها المحوري في الآتي:
– تطوير البنية التحتية لموانئها (مثل الحمراء) ومناطق تخزين الطاقة لتصبح مركزًا إقليميًا يخدم حركة التجارة العالمية، مع شراكات مع الإمارات والسعودية.
– تعزيز قدرات مصر اللوجستية لرفع كفاءة الإمدادات وزيادة القدرة التنافسية في تصدير واستيراد الطاقة.
-الشراكات الإقليمية: الاستفادة من تجارب دول الخليج، خاصة الإمارات، في منظومة الدفاع والإنذار المبكر لتوطين التقنيات وتعزيز القدرات (رادارات، مضادات مسيرات).
-تكامل المعلومات والتحالفات بين دول المنطقة لتعزيز الأمن.
مواجهة التحديات الأمنية: التعاون مع المنظمات الدولية (مثل الإنتربول) لتعزيز السلامة البحرية ومكافحة الجريمة البحرية.
-تطوير قدرات الإنذار المبكر والرصد لمواجهة التهديدات، وهو ما يتوافق مع توجهات دولية وإقليمية.
دور الإمارات في المشهد:
تُعتبر الإمارات نموذجاً في بناء منظومة دفاعية متطورة، وتتبنى دول خليجية أخرى عناصر من تجربتها.
مصر تدرك أهمية الشراكة مع الإمارات ودول الخليج لتعزيز الأمن الإقليمي بشكل عام، بما في ذلك أمن البحر الأحمر، من خلال استثمارات مشتركة وتطوير البنية التحتية.
خلاصة الرؤية المصرية تركز على تعزيز قدراتها الذاتية بالتوازي مع بناء شراكات استراتيجية، خاصة مع الإمارات ودول الخليج، لترسيخ مصر كمركز لوجستي وأمني مهم، وضمان ممرات ملاحية آمنة، مما يخدم مصالحها الاقتصادية والأمنية في منطقة حيوية.
سؤال يحتاج لإجابة:

ولكن هل حدثت متغيرات في الرؤية الاستراتيجية المصرية لأمن البحر الأحمر لاسيما بعد التطورات الأخيرة وتمدد الامارات حتى منطقة القرن الافريقي؟
بدأ واضحا أن التحركات التي قامت بها دولة الإمارات العربية المتحدة قد جعلت مصر وبكل ثقلها العربي والافريقي ودورها المحوري على البحر الأحمر أن تعزز مواقفها تجاه كل ما يتعلق بالبحر الأحمر (مياهه- ثرواته دوله) حيث بادرت بتلك التحركات وخصت بها دولتي أرتريا وجيبوتي باعتبارانه تجمعهما بها الرابطة الافروعربية وقالت الدكتورة ايمان رجب رئيس وحدة الدراسات الأمنية والعسكرية بمركز دراسات الأهرام للدراسات الاستراتيجية في هذا الصدد (أصبحت مصر في ظل المتغيرات طرفا رئيسا في أي حسابات دولية أو اقليمية مطروحة من جانب تلك القوى التي تتصادم استراتيجياتها على البحر الأحمر من تلك القوى لحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة في هذا الظرف الحيوي في الدول المطلة على القسم الجنوبي من البحر الأحمر على وجه الخصوص) وفي ذات الاطار تقول الباحثة دينا ملوم منسق الوحدة الافريقية بمركز الدراسات الاستراتيجية في مقال لها بعنوان (الاستراتيجية المصرية في القرن الافريقي توازن للنفوذ والسيادة على حوكمة البحرالأحمر):
تأتي الاستراتيجية المصرية في القرن الأفريقي في إطار حِرْص مصر الدؤوب على تعزيز نفوذها الإقليمي والحفاظ على سيادتها وأمنها القومي، لا سيما عبْر حوْكمة البحر الأحمر، وتتمثل هذه الاستراتيجية في التحركات الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية على مستوى إريتريا وجيبوتي؛ حيث تسعى القاهرة لتعزيز التنسيق والتعاون الأمني والاقتصادي مع هاتين الدولتين الشقيقتين؛ بهدف تأمين ممرَّات المِلَاحة البحرية ومواجهة التحديات الأمنية والإقليمية، خصوصًا التضييق الإثيوبي على المصالح المصرية في المنطقة، كما تعكس مبادرة السويس والأحمر للتنمية الاقتصادية والبحرية الرُّؤْية المصرية نحو تقوية التكامل الاقتصادي والتنمية البحرية، وتحويل البحر الأحمر إلى منصَّة لوجستية متكاملة تضمن استقرار حركة التجارة العالمية، وتحمي المصالح القومية المصرية.
أولًا- التحرُّكات المصرية في القرن الأفريقي: إريتريا: تحظى العلاقات المصرية الإريترية بحفاوة بالغة وتقارُب عزَّزته التحديات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي، بما استوجب تنسيقًا مشتركًا لضمان أمْن الملاحة في البحر الأحمر، ومن هذا المنطلق، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الإريتري أسياس أفورقي، 29 أكتوبر الماضي، وأكَّد السيسي على دعْم مصر الثابت لسيادة إريتريا وسلامة أراضيها، وشدَّد الجانبان على أهمية التنسيق المشترك لتحقيق الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي وتعزيز الأمن في البحر الأحمر، خاصَّةً في مضيق باب المندب، كما ناقشا مُستجدَّات الأوضاع الإقليمية، وبالأخصِّ في الصومال والسودان، وأكَّدا على دعْم مؤسسات الدولة الوطنية ورفْض إنشاء كيانات موازية في السودان.
: جيبوتي : في أبريل 2025، استقبلت العاصمة جيبوتي الرئيس السيسي؛ حيث تم الاتفاق على تنفيذ مشروعات على الأراضي الجيبوتية، تشمل قيام مصر بتوسعة محطة طاقة الرياح، وإنشاء محطة للطاقة الشمسية في ميناء الحاويات، وتوسعة ميناء الحاويات في ميناء دوراليه، الذي يُعَدُّ منْفَذًا بحريًّا حيويًّا لإثيوبيا على البحر الأحمر، وتُعتبر هذه الخطوة ذات بُعْدٍ استراتيجيٍّ مهمٍ من الناحية الاقتصادية والسياسية؛ حيث تستهدف الحدَّ من قُدْرة إثيوبيا على التجارة عبْر البحر؛ مما يضع ضغطًا اقتصاديًّا مباشرًا وغير مباشر على أديس أبابا ضربةً استراتيجيةً لإثيوبيا، خاصَّةً في ظِلِّ الخلافات المستمرة حول السد الإثيوبي؛ نظرًا لأن أديس أبابا تعتمد عليه بشكلٍ كبيرٍ في نقْل حوالي 95% من تجارة إثيوبيا الخارجية، وتعكس هذه الخطوة مدى الاهتمام بحماية الأمن القومي وأمْن المِلَاحة البحرية في البحر الأحمر، بالإضافة إلى تأمين ممرات الشحن العالمية وقُرْب الميناء من مضيق باب المندب.
من الناحية القانونية، يتيح القانون الدولي للدول أن تتعاون في إدارة وتشغيل الموانئ، بما في ذلك تأجير موانئ لدول أخرى مع بقاء السيادة للدولة المالكة.
تأكيدًا على محورية الدور المصري في محيط القرن الأفريقي والبحر الأحمر والسعي لتأمين والحفاظ على أمن وسلامة هذه المنطقة، أعلن وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج بدر عبد العاطي، 18 أكتوبر 2025، خلال النسخة الخامسة من منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة عن إطلاق “مبادرة السويس والبحر الأحمر للتنمية الاقتصادية والبحرية”، والتي تُعَدُّ بمثابة خطة استراتيجية شاملة تستهدف تعزيز التكامل الاقتصادي والتنمية البحرية بين الدول المطلة علي البحر البحر الاحمر.
ثالثًا- دلالات التحركات المصرية في المنطقة: استنادًا إلى دائرة الخُرُوقات الإثيوبية لأمن المنطقة وعزوفها عن الانصياع لمبادئ القوانين الدولية أو حتى الإنسانية التي تراعي شواغل دول الجوار، والتي تمثَّلَتْ في تأسيس وتشغيل السد الإثيوبي دون تشاور أو تنسيق مشترك مع دولتي المصب، بجانب قيامها بعقْد اتفاق مع إقليم أرض الصومال الانفصالي؛ للحصول على قاعدة عسكرية على البحر الأحمر العام الماضي، في خطوةٍ تشير إلى عدم احترام سيادة دول الجوار على أراضيها، ومحاولات حكومة أديس أبابا الدائمة لتضيق الخناق على مصر، أدركت الأخيرة كافة الدسائس الإثيوبية – لهذا شرعت في اتخاذ خطوات مضادة للحيلولة دون وقوعها في هذا الفخ- الذي لم يقف وراءه إثيوبيا فحسب، بل هناك أطراف دولية وإقليمية أخرى تُحرِّكُ آبي أحمد؛ تحقيقًا لمصالحها، والسعي لحصار الدولة المصرية وتهديد أمنها القومي، ويمكن إجمال ذلك على النحو الآتي:
– حصار إثيوبيا اقتصاديًّا وضمان ديمومة الدور المصري في افريقيا.
– الحيلولة دون وصول أديس أبابا للبحر الأحمر.
تهدف المساعي الحثيثة التي تبذلها مصر، خاصَّةً في الفترة الأخيرة إلى القضاء على محاولات إثيوبيا لخلْق وجود بحري لها على البحر الأحمر، عبْر دعم حلفاء استراتيجيين في الإقليم، وعدم السماح لإثيوبيا بالس
ختامًا: في ضوْء المُتَغيِّرَات الجيوسياسية المتسارعة في القرن الأفريقي، تؤكد الاستراتيجية المصرية على ضرورة التوازن بين النفوذ الاقتصادي والسيادة الوطنية، وذلك عبْر تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع دول القرن الأفريقي ودعْم الأمن البحري في البحر الأحمر؛ فمصر لا تسعى فقط إلى تحجيم النفوذ الإثيوبي، وإنما تبْنِي إطارًا متكاملًا يدعم التنسيق الإقليمي والتنمية المشتركة؛ ما يُعزِّزُ من مكانتها كلاعبٍ إقليميٍّ فاعلٍ يحفظ مصالحها القومية ويحمي ممرَّات المِلَاحة الحيوية، وتُعَدُّ مبادرة السويس والبحر الأحمر” نقطةً محوريةً في هذه الاستراتيجية؛ إذ تعزز التنمية المستدامة والاقتصاد الأزرق، وتدعم الاستقرار السياسي والأمني للمنطقة؛ مما يُسْهِمُ في تحقيق أهداف مصر الاستراتيجية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر بشكلٍ عامٍ.
ويري مراقبون ان الاستراتيجية المصرية لامن البحر الاحمر بسبب المتغيرات التي حدثت نتيجة ما يجري في الصومال والسودان وانها تسعي لاعادة الحياة الي لفكرة ان تكون هناك قوة لحماية امن البحر الاحمر والتي مازال السؤال حولها قائما (لماذا ماتت الفكرة) وبتقديري ان التحركات الاماراتية والتي تتحرك بالوكاالة عن اسرائيل باعتبارها واحدة من دول البحر الاحمر يعطي مؤشرا قويا ان استثماراتها علي البحر الاحمر التي تخطط لانشائها (الموانئ البحرية) ومثالها ابو عمامة علي الشواطئ السودانية كلها تفسر ان حرب السودان الماثلة لها ابعادها الاقليمية والدولية ولمصلحة اسرائيل ومن لايصدق فليقرأ بعضا من الاسراتيجية الصهيونية في البحر الاحمر والتي حاولت من اطلاق فزاعة القرصنة الصومالية منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي ما هي إلا تغطية لما لما تخطط له.