في فلسفة الحرب والعيد وبعدها الإبداعي
الصادق عبدالمولى – السودان:
الحرب، في جوهرها، ليست مجرد صراع بين قوى متقابلة، بل هي حالة اختلال عميق في ميزان الإنسان مع ذاته ومع العالم.
إنها لحظة يتراجع فيها صوت العقل أمام ضجيج الخوف، وتتآكل فيها المعاني الكبرى كالرحمة والتسامح، لتفسح المجال لقيم البقاء المجرد.
ومع ذلك، فإن الحرب – على قسوتها – تكشف هشاشة الإنسان وقوته في آنٍ واحد، فهي تجرّده من أوهامه، لكنها تدفعه أيضًا إلى إعادة اكتشاف إنسانيته في أكثر الظروف ظلمة.
وفي مقابل هذا المشهد القاتم، يأتي العيد بوصفه لحظة رمزية لإستعادة المعنى.
ليس العيد مجرد طقس زمني متكرر، بل هو إعلان ضمني بأن الحياة قادرة على الاستمرار رغم كل ما يعتريها من انكسار.
وفي زمن الحرب، يكتسب العيد دلالة أعمق، يصبح فعل مقاومة ناعمة، وإصرارًا على الفرح ولو كان مبتورًا
ضحكة طفل في يوم عيد وسط الخراب، قد تكون أبلغ من أي خطاب عن الأمل.
أما الإبداع، فهو الجسر الذي يربط بين هذين العالمين: عالم الحرب وعالم العيد.
فحين تعجز اللغة العادية عن التعبير، يتقدم الإبداع ليمنح الألم شكلاً، وللصمت صوتًا.. وفي قلب المأساة، يولد الشعر، وتتشكل الحكايات، وتُرسم الصور التي تحفظ للذاكرة إنسانيتها.
فالإبداع لا يوقف الحرب، لكنه يمنعها من أن تبتلع المعنى بالكامل.
وهكذا، تتقاطع الحرب والعيد والإبداع في تجربة إنسانية واحدة: صراع من أجل البقاء، وسعي نحو المعنى، ومحاولة دائمة لإعادة ترميم ما تكسره الأيام.
ففي النهاية، قد لا يملك الإنسان دائمًا القدرة على تغيير واقعه، لكنه يملك دومًا القدرة على أن يرويه، وأن يمنحه معنى يستحق أن يُعاش.