
عيد استقلال السودان… سبعون عامًا بين الحرية والتحديات ورؤية مستقبلية
عمرو خان
*في مثل هذا اليوم، 1 يناير 1956، أعلن السودان استقلاله عن الحكم الثنائي البريطاني–المصري، ورفعت لأول مرة راية الدولة السودانية الحرة. واليوم، ونحن في 1 يناير 2026، تمر سبعون عامًا على هذا الحدث التاريخي، الذي لم يكن مجرد لحظة سياسية، بل كان إعلانًا عن حلم شعوب بأمة متحررة، قادرة على رسم مصيرها، وتحديد خياراتها بعيدًا عن السيطرة الخارجية.
*من القاهرة، نستعيد هذا التاريخ ونحن نتأمل العلاقة العميقة بين مصر والسودان؛ علاقة تجمعنا فيها الجغرافيا والأنهار والثقافة، ويمتد جذورها إلى تاريخ طويل من التعاون والتأثير المتبادل. فقد كان السودان جزءًا من الوعي العربي والإفريقي معًا، وساعدت مواقع النيل والروابط الاقتصادية والاجتماعية على تشكيل شبكة معقدة من العلاقات التي لم تنقطع حتى في أصعب الفترات.
*لكن الاستقلال لم يكن نهاية الطريق؛ لقد كان البداية فقط.. منذ عام 1956، خاض السودان رحلة معقدة بين التحديات الداخلية والصراعات الإقليمية، بين محاولات بناء دولة ديمقراطية وتطلعات نحو التنمية الشاملة.. وقد شهدت هذه الرحلة مراحل من الانقسامات والحروب، والانتصارات والتجارب السياسية، لكنها لم تفقد طموحها في الحرية، ولم يتوقف الشعب السوداني عن السعي لتحقيق كرامته واستقلاله الحقيقي.
*اليوم، ونحن نحتفل بالذكرى السبعين، يجب أن نفهم أن الاستقلال ليس مجرد تاريخ؛ إنه مسؤولية مستمرة.. المسؤولية تجاه بناء مؤسسات قوية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والحفاظ على الأمن والاستقرار. ومن مصر، نتابع هذه المسيرة عن كثب، مدركين أن استقرار السودان واستقراره السياسي والاقتصادي هو جزء من أمننا القومي، وأن نجاحه في التنمية والحفاظ على سيادته يعزز فرص التعاون الإقليمي بأبعاد متعددة، من المياه والطاقة إلى التجارة والثقافة.
*الذكرى اليوم تضع أمامنا أيضًا سؤالًا أساسيًا: كيف يمكن أن تعكس علاقات مصر والسودان روح الاستقلال الحقيقية، بعيدًا عن التدخلات الخارجية، وعن الحسابات الضيقة؟ الجواب يكمن في تجديد الشراكة والتعاون بين الشعبين والدولتين، في دعم جهود التنمية، وتعزيز التعليم والصحة، وحماية الموارد الطبيعية، خصوصًا نهر النيل الذي يربط بيننا.
*وأكثر من ذلك، فإن هذه اللحظة التاريخية تذكرنا بأن الحرية الحقيقية ليست مجرد إعلان سياسي، بل هي القدرة على أن يعيش الإنسان بكرامة، ويشارك في تحديد مصيره، ويصنع مستقبل بلده بيديه. لذلك، فإن الاحتفال بعيد استقلال السودان اليوم هو أيضًا دعوة للتفكير في كيفية بناء مستقبل مشترك يعكس التطلعات المشروعة للشعوب، ويكرس قيم التعاون والتضامن العربي والإفريقي.
*في الختام، ونحن نحتفل من القاهرة بهذه الذكرى، نشارك الإخوة السودانيين فرحة الاستقلال، ونتمنى لهم السبعون عامًا القادمة من الاستقرار والتنمية والازدهار. فالسودان الذي نراه اليوم ليس مجرد دولة تحتفل بتاريخها، بل شريك استراتيجي وجار عزيز، وعلاقة الأخوة بين شعبينا هي أساس لكل أمل مستقبلي في المنطقة.
*كاتب صحفي مصري