آخر الأخبار

صرخة في وجه الصمت من أجل عدالة راتبية تعيد بناء السودان

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد    

 

*في البدء، أتقدم بخالص الشكر والتقدير والعرفان لكل الأساتذة الأجلاء من الجامعات السودانية الذين تفاعلوا خلال الساعات الماضية مع ما طُرح في المقال السابق حول واقع التعليم العالي، وضرورة إصلاح بيئة الأستاذ الجامعي وهيكلته الوظيفية بما يليق برسالته ودوره في بناء الدولة. لقد جاء هذا التفاعل صادقًا وعميقًا، مؤكِّدًا أن قضية التعليم في السودان لا تزال حيّة في وجدان المخلصين، وأن صوت الإصلاح- مهما تأخر- يزال يجد من يُنصت إليه ويؤمن به.

 

*وإذا كان حديث الأمس قد انصرف إلى التعليم العالي، فإننا اليوم ننزل إلى الجذر، إلى القاعدة الأوسع والأخطر أثرًا في تشكيل الوعي الوطني: معلمو التعليم العام، من رياض الأطفال والتعليم قبل المدرسي، مرورًا بالمراحل الابتدائية والمتوسطة، وصولًا إلى المرحلة الثانوية.. هؤلاء ليسوا مجرد ناقلي معرفة، بل هم صُنّاع الإنسان في لحظة التكوين الأولى، حيث تتشكل اللغة، وتُبنى القيم، وتتحدد الاتجاهات، وتتفتح ملكات التفكير.. ومع ذلك، ظلوا-على امتداد عقود- خارج دائرة الاهتمام الحقيقي، وكأنهم يعملون على هامش الدولة لا في صميم مشروعها الحضاري.

*منذ الاستقلال، تعاقبت على السودان حكومات مدنية وعسكرية، لكنها-على اختلاف شعاراتها- أخفقت في وضع التعليم والمعلم في موقعهما الطبيعي داخل معادلة بناء الدولة. ظل الخطاب السياسي أسير صراعات السلطة وتقاسم النفوذ، بينما أُدير التعليم بعقلية التسيير المؤقت، لا برؤية البناء الإستراتيجي. وهكذا، لم تتبلور فلسفة وطنية تُعلي من شأن المعلم، وبقيت النظرة إليه قاصرة، تختزله في وظيفة خدمية، لا في كونه ركيزة مشروع وطني يصنع المستقبل.

*وقد أفرز هذا الخلل مفارقة مؤلمة لا تخفى على أحد: معلم يُكلَّف بأشرف مهمة- بناء العقول وصياغة الأجيال- لكنه يُترك في أدنى درجات الاستقرار المعيشي والمهني. راتب لا يفي بأبسط متطلبات الحياة، وبيئة عمل تفتقر إلى الحد الأدنى من الكرامة الوظيفية، ومسارات ترقي يكتنفها الغموض والتعقيد.. إنها فجوة صارخة بين عظمة الدور وضآلة المقابل، فجوة أنهكت المعلم، وأضعفت المنظومة التعليمية، وانعكست بالضرورة على جودة المخرجات.

*وفي مقارنة واقعية لا تحتمل المكابرة، نجد أن المعلم السوداني، بعد ثلاثين عامًا من الخدمة، قد لا يستطيع تأمين مسكن كريم أو وسيلة نقل متواضعة، فضلًا عن ضمان استقرار أسرته.. في المقابل، يتمكن نظراؤه في دول أخرى- حتى تلك التي تشارك السودان ظروفه التنموية- من تحقيق قدر معتبر من الاستقرار خلال سنوات أقل.. وهذه المقارنة ليست جلدًا للذات، بل تشخيص صريح لخلل بنيوي في منظومة العدالة الوظيفية.

*غير أن الأزمة لا تقف عند حدود الأجور، على أهميتها، بل تمتد إلى غياب منظومة متكاملة تُنظّم المسار المهني للمعلم من يوم تعيينه وحتى تقاعده.. فلا لائحة حديثة وواضحة لشروط الخدمة، ولا هيكل راتبي عادل يربط بين التأهيل والخبرة والمسؤولية، ولا سياسات جاذبة تستقطب الكفاءات وتحتفظ بها.. وهكذا، تحولت مهنة التعليم- في كثير من الأحيان- من خيار طموح إلى ملاذ اضطراري.

*إن الهيكل الراتبي ليس مجرد جداول وأرقام، بل هو مرآة صادقة لأولويات الدولة.. وحين يُوضَع المعلم في أسفل السلم من حيث الدخل والاستقرار، بينما يُطالَب بإنتاج أعلى مستويات الوعي والمعرفة، فإننا نكون أمام تناقض بنيوي يفضي- حتمًا- لى تآكل العملية التعليمية. فالمعلم الذي يفتقد الاستقرار الاقتصادي والنفسي، لا يمكن أن يُنتج استقرارًا معرفيًا أو وجدانيًا لدى طلابه.

 

*وإلى جانب ذلك، أسهم غياب لائحة عادلة لشروط الخدمة في تكريس حالة من الاضطراب المهني: ترقيات لا تُبنى دائمًا على الكفاءة، حماية وظيفية هشة، تدريب مستمر محدود، وبيئة مدرسية تعاني نقصًا حادًا في الدعم الفني والإداري.. وقد أفضت هذه العوامل مجتمعة إلى نتيجة خطيرة: مهنة طاردة للكفاءات، بدل أن تكون حاضنة لها.

*إن خطورة استمرار هذا الوضع لا تنحصر في معاناة المعلمين، بل تمتد إلى مستقبل الدولة بأكملها. فتعليم ضعيف يعني إنتاجًا ضعيفًا، وإنتاج ضعيف يعني اقتصادًا هشًا، واقتصاد هش يعني دولة عاجزة عن المنافسة والبقاء.. ومن ثم، فإن أزمة المعلم ليست أزمة قطاع، بل أزمة وطن تتصل بجوهر بقائه وقدرته على النهوض.

*لقد أثبتت تجارب الأمم التي نهضت أن البداية الحقيقية كانت من المعلم، لا بالشعارات، بل بالقرارات: هيكل راتبي عادل، لائحة خدمة منصفة، وبيئة مهنية محفزة.. تلك هي الركائز التي حوّلت التعليم إلى قوة دافعة للتنمية، لا عبئًا على كاهل الدولة.

*أما في السودان، فإن الاستمرار في تجاهل هذه الحقائق لن يفضي إلا إلى مزيد من التدهور، واستمرار نزيف الكفاءات، وتآكل الثقة في المؤسسة التعليمية، بما يعني إعادة إنتاج الأزمة جيلاً بعد جيل، في حلقة مفرغة لا تنكسر.

*إن المطلوب اليوم ليس معالجات جزئية أو زيادات مؤقتة في الأجور، بل إعادة تأسيس شاملة لمنظومة التعليم العام، تبدأ باعتراف حقيقي لا لبس فيه بأن المعلم هو حجر الزاوية في بناء الدولة. ولا يكتمل هذا الاعتراف إلا بإجازة هيكل راتبي حديث وعادل، ولائحة شروط خدمة متكاملة، تضمن الكرامة المهنية، والاستقرار المعيشي، والتطور الوظيفي المستدام.

*فالدولة التي لا تُنصف معلمها، لا تملك أن تبني مستقبلها بثبات. فالمعلم ليس موظفًا عاديًا، بل هو صانع الوعي، ومهندس الإنسان، وركيزة النهضة.. وإذا استمر اختلال الميزان بين الدور والحقوق، فإن النتيجة لن تكون سوى تعليم هش، ومجتمع مهدد، ومستقبل مؤجل.

وحين يُكرَّم المعلم، فإنما يُكرَّم الوطن بأسره. وحين يُهمَل، فإن الوطن كله يدفع الثمن غاليًا وممتدًا عبر الأجيال.