
حنين السودان يزغرد في مصر
شوف عين
معاوية محمد علي
*جلسة (ما منظور مثيلا)، عشناها الأسبوع الماضي في حضرة شموس وأقمار ونجوم، جمعتهم منظمة (تير دي زوم)، برعاية مفوضية شؤون اللاجئين بالإسكندرية.. حيث كان احتفال الكواكب بالقمر، في حضرة الروائي العالمي ومفخرة السودان حمور زيادة.
*كان تلبية الدعوة فرض عين وواجب في شرع (الصحافة) لا يسقط عن أمثالي،غير أنها لامست وترا حساسا في داخلي، وروحا ظماة لهكذا فعاليات.
*لم تكن تلك الجلسة المحضورة مجرد فعالية ثقافية روتينية، أو ورشة عمل عابرة بأي من تلك المسميات الجامدة؛ بقدر ما كانت لحظات دافقة من (الشجن) الصافي، عربدت فيها الأحاسيس، وهاج الحنين عصفا بالفؤاد.. لقد استدعت في دواخلنا ذكريات أمسيات افتقدناها في الخرطوم (المكلومة)، عشنا تفاصيلها زمانا في قاعات الصحف، وعلى رصيف شارع النيل، وفي فضاءات (أتني)، والمركز الفرنسي، والمجلس البريطاني، ومركز أم درمان الثقافي، وغيرها من أمكنة كانت تضج بالحياة، وتزغرد بالثقافة، وتحتفي بالصحافة. كانت ليالٍ من ألف ليلة وليلة، سلبتها منا هذه الحرب (اللعينة)، التي عصفت بأحلامنا.
*وكأنما القائمون على المنظمة قد لامسوا بأصابع حانية موضع الجروح، وآلام اللجوء والنزوح، وظمأ الروح لهكذا جلسات بعد أن أحسوا بما عانينا من أهوال عظام وبلايا جسام؛ فأبوا إلا أن يهدونا هذه المساحة (السودانية المصرية) الوارفة. مساحة جمعت أطيافا من عشاق الرسم بالحرف النديِ، من البلدين؛ فكان مهندس الجلسة عبر الأثير، الروائي المصري المبدع محمد إسماعيل، وهو يتجلى في التحضير والتقديم كأروع ما يكون التجلي، وشاركتْه الروائية المصرية ياسمين، التي أضافت للجلسة الأنصع والأروع من الجرعات الثقافية والإرشادية، وأهدتنا من طيب الكلام ما أرضانا وأغنانا.. ولا ننسى السورية فاطمة، وبنات بلدي إمتثال وترتيل، اللائي كن كالفراشات يتجولن بين زهور ورياحين الحاضرين والحاضرات، ويبدعن في إدارة وتوزيع الفرص، بالإضافة إلي الشاب الذي يفيض بالحيوية فارس.
*من هنا، لا أجد تعبيرا يفي هذه الجلسة حقها أبلغ من أنها كانت بمثابة برلمان ثقافي (سوداني مصري) مصغر، حمل آلاف الرسائل الصارمة للمتربصين وللصفحات المأجورة التي تروج للفتنة بين الشعبين، مثلما حمل آلاف المعاني عن أزلية العلاقة ورباط (سليل الفراديس)؛ النيل العظيم. وأجدني أكرر القول في كل مناسبة: إن ما قدمته مصر، حكومة وشعبا، للسودان وأهله في محنة الحرب هذه، لم تقدمه دولة أخرى، وسيدون التاريخ هذا الصنيع بمداد من نور لتتدارسه الأجيال جيلا بعد جيل.
*نعم، حقيقة ما شهدناه لم يكن مجرد جلسة تحاكي سيرة كاتب وأديب بقامة وقيمة حمور زيادة، وإنما كان جلسة تعافي نفسي، كنا فيها أسارى لحالة من الدهشة الراقية وضَيف الجلسة يطوف بنا في فضاءات (شوق الدرويش)؛ متجولا بين النيل والنخيل والصحراء، ورابطا بين الجغرافيا والتاريخ والفلسفة.. لم يدع شاردة ولا واردة في سؤال إلا وأحصاها جوابا بأسلوبه الرشيق ومفرداته السهلة والمباشرة، كيف لا وهو صوت الإنسان والمجتمع في السودان، والمصور البارع لحاله.
إن حمور زيادة لا يكتب مجرد رواية، بقدر ما يغوص عميقا في المسكوت عنه، ليعبر بصدق عن أشواق الإنسان في الحرية والعدالة، عبر حروف حية تكاد تسمعها وأنت تسمعها.
*جئنا لتلك الجلسة الإستثنائية مثقلين بالجراح، وغادرناها في قمة الراح، وسيبقى أثرها على الأرواح، فالثقافة والإبداع هما طوق النجاة في زمن الانكسارات؛ وأن مبدع حقيقي كحمور زيادة قادر على جمع شتاتنا في لحظة صدق واحدة. خرجنا من قاعة المفوضية ونحن أكثر إيمانا بأن الحرب وإن طالت، وإن نجحت في بعثرة أجسادنا في المهاجر والمنافي، فإنها حتما ستعجز عن اغتيال الهوية المعرفية، أو قطع حبل الود الأزلي الذي يربطنا بأشقائنا في وادي النيل.
*ستبقى هذه الجلسة (شوف عين) على أن النور يخرج دائما من رحم الظلمات، وأن نبض الخرطوم الثقافي سيظل حيا، أينما حل إنسانها وأينما صدح كاتبوها.