
بين البيولوجيا والفطرة… أين تكمن الأمومة
لمياء موسى
*حديثي في هذا المقال عن موضوعٍ تأمّلتُ فيه طويلًا: الأم.. فحين نحاول الحديث عنها، نكتشف أن أصدق من يملك القدرة على وصفها بعمق هو الطفل نفسه؛ ذلك الكائن الذي يختبر كل شيء بإخلاصٍ مطلق، ويعبّر عن الأم بلا رتوشٍ أو زيف.
*أمّا الكبار، حين يتحدّثون، فغالبًا ما يكتفون بما حفظوه عن ظهر قلب: كلماتٍ منمّقة، وجملًا جميلة تُعجب القارئ أو السامع، لكنها في كثيرٍ من الأحيان تبقى بعيدةً عن جوهر تجربتهم، عاجزةً عن ملامسة حقيقة الأمومة.
*وإن كنتَ تتوقّع، عزيزي القارئ، كلامًا مألوفًا عن (الأم)، فأؤكّد لك أنّك ستجد شيئًا مختلفًا.. فحديثي هنا أعمق؛ إذ أتناول الأم بوصفها حقيقةً يعيشها الإنسان ويختبرها في صمت، ووظيفةً إنسانيةً جوهرية، لا مجرّد كلمةٍ جميلة تُقال أو شعورٍ عابر يمرّ، بل تجربةً تمتدّ آثارها إلى أدقّ تفاصيل الحياة، وتُسهم في تشكيل فهم الإنسان للعالم من حوله.
*في المعاجم العربية، تتجاوز لفظة الأم معناها البيولوجي إلى دلالة الأصل والمنبع والأساس، حتى غدت في بنيتها اللغوية رمزًا للجذر والحياة معًا
*وفي الثقافة الفرعونية، تجاوز مفهوم الأم حدوده البشرية ليغدو رمزًا للخلق والحماية والاستقرار، وتجسّد ذلك في إلهاتٍ عدة، أبرزهن إيزيس، بوصفها نموذجًا للأمومة المقدسة.
*وفي حضارات بلاد الرافدين القديمة، لدى السومريين والبابليين، لم تكن الأم مجرد فرد في الأسرة، بل رمزًا للحياة ذاتها.. فقد اقترنت في المخيال الحضاري بمعاني الخصب والتكوين والاستمرار، وتجسدت في رموزٍ أنثوية عُدّت مصدرًا للعطاء والتجدد. ومن رحم هذه الرؤية نشأ تقديرٌ عميق للأمومة، بوصفها القوة التي تحتضن البدايات وتحفظ امتداد الحياة عبر الأجيال.
*وفي الثقافة الهندية، فقد ارتبطت الأمومة بالاحتواء والحياة، وتجلّت في رموز روحية مقدسة مثل (أوم) ، بوصفه صوت الوجود ووحدة الكون
وفي بعض الرؤى الفلسفية القديمة، ارتقت الأم إلى مرتبة الرمز الكوني، فغدت صورةً للطبيعة في أوسع معانيها؛ ذلك الأصل الذي تنبثق منه الحياة.
*أما في الكتب السماوية، فقد حظيت الأم بمكانة رفيعة ومنزلة سامية؛ ففي التوراة يُعدّ تكريم الوالدين من أسمى القيم الإنسانية، حتى غدا واجبًا دينيًا وأخلاقيًا راسخًا. كما يؤكد الكتاب المقدس مكانة الأم، ويجعل احترامها وتوقيرها انعكاسًا لنبل الروح وسلامة القيم. أما في القرآن الكريم، فقد ارتقى البر بالأم إلى منزلة عظيمة، وجُعل الإحسان إليها فريضة جليلة، حتى غدت مكانتها من أرفع المقامات وأسمى المنازل.
*كل هذا يدعونا لنغوص أعمق في التأمل والتفكر. هل هذه المكانة الرفيعة والنظرة المقدسة للأم تقتصر على الجانب البيولوجي الذي تشترك فيه الأم البشرية مع سائر المخلوقات؟
أم أن للأمومة معنى آخر مرتبطًا بطاقة الوجود وبالفطرة السليمة، ويتجاوز حدود الفهم البيولوجي ليصل إلى فهم أعمق للحياة، وللخلق، وللوعي، وللوجود نفسه؟.
*أصبحنا اليوم نرى نماذج من الأمهات قد تآكلت فطرتهن، وافتقرن إلى العمق الحقيقي للأمومة؛ يمنحن الحياة من جانبها البيولوجي، لكنهن ينتزعن من أطفالهن طاقة الوجود الحقيقية، حتى تحولت بعض الأمهات إلى مصدرٍ للألم والمعاناة.
*خلال فترات تطوّعي في العمل الصحي، كنتُ أرى الممرّضات يوجّهن الشابّات اللواتي يعجزن عن الرضاعة الطبيعية، أو يعاني أطفالهن من علّةٍ تمنعهم من الامتصاص، في لحظاتهم الأولى من الحياة.
*كانوا يقولون لها: ضعي طفلك ملاصقًا لصدرك، وإن اضطررتِ للحليب الصناعي، فليكن بين ذراعيك، قريبًا منك ودافئًا.. لم يكن هذا مجرد توجيه طبي، بل درسًا إنسانيًا عميقًا؛ فذلك القرب يمنح الطفل أول إحساس بالأمان.
*فهو، قبل أن يخرج إلى هذا العالم، لم يعرف سوى رحم أمه، ولم يسمع سوى دقات قلبها. وحين يضع رأسه على صدرها من جديد، تعود إليه تلك الدقات المألوفة، فيهدأ، وكأن شيئًا في داخله يقول له: ما زلت في مأمن.
*في تلك اللحظات الأولى، لا تكون الأم مجرد مصدر غذاء، بل أصل الطمأنينة ومنبع السكينة، حتى وإن لم ترضع.
*ومن هنا، فإن أول وظيفة للأم الحقيقية، صاحبة الفطرة السليمة، ليست التربية بمعناها التقليدي، بل زرع الأمان في نفس طفلها. أن يشعر، وهو بين يديها، أن العالم لا يخيفه، وأن حضنها الملاذ الذي لا يُخذل. يمتد هذا الأمان طوال فترة الطفولة، فيتأكد الطفل أن قلب أمه هو الملجأ الذي يأويه من كل قلق وذعر، وفي كنفها الحنون تكمن الطمأنينة ويولد الأمان.
*ومع تقدمه في العمر، يظل في أعماقه يقين لا يتزعزع: أن له حصنًا يعود إليه، وأن هناك قلبًا يضمّه ويحنّ عليه مهما علا ضجيج الحياة.
*أما إذا فقد الطفل هذا الأمان في بداياته، فقد خسر الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء، ولن يكون من السهل عليه أن يعوّضه لاحقًا، إلا برحمةٍ من الله فالأمان ليس مرحلة عابرة، بل هو الجذر الذي إن صلح، صلح ما فوقه كله.
*بعد الأمان يصبح كل شيء أسهل وأجمل. فالأمان يُمنح قبل الحب، لأنه الأرض التي تستقر عليها النفس، والوعاء الذي تُفهم فيه التربية، وتُقبل من خلاله الحدود دون خوف أو تمرّد.
*فينشأ إنسانًا متزنًا وسويًا، قادرًا على أن يكون نافعًا لنفسه ولمجتمعه، مستقيمًا في علاقاته، ثابتًا في مواقفه
هذه هي الأم… هذه هي حقيقتها.
*لكن، ماذا حدث؟ أنا لا أستطيع أن أدخل كل بيت، ولا أن أفتّش في القلوب لأعرف: هل في هذا البيت أمّ حقيقية أم لا؟ لكن يمكنني أن أمشي في الشارع، وأن أتعامل مع الناس، وأن أرى وأسمع… ومن خلال ذلك تتشكل الإجابة ..أنظر إلى سلوكيات وردود أفعال شبابنا ومراهقينا وأطفالنا اليوم: ذلك التوتر، والغضب الكامن في النفوس، وتلك الاندفاعات غير المحسوبة، والظواهر التي تتسلل إلى حياتهم؛ من انحرافات، وأزمات نفسية واجتماعية، ووقوع في براثن المخدرات، وإدمان الكحول، وضياع البوصلة في عالمٍ مضطرب.
*هؤلاء هم أمل كل وطن، ونهضة كل أمة. فإذا اضطربوا، اضطرب المستقبل بأكمله.. وهنا يبرز السؤال، لا أوجّهه إليكم فقط، بل إلى نفسي أيضًا: هل ما نراه من أجيال اليوم هو نتاج أمهات حقيقيات يمنحن طاقة الحياة بالأمان والحب والرعاية؟ أم هم نتاج أمهات بيولوجيات فقط… أدّين وظيفة الولادة، ولم يكتمل فيهن معنى الأمومة؟.
*الإجابة عندكم… فيما تشاهدونه بأعينكم كل يوم.. لكنني أود أن أقول لكل أم أنتِ لستِ مجرد بداية حياة… لقد اتفقت الحضارات، وتلاقت الأديان، وجرّبت الإنسانية كلها، أن الأم ليست دورًا عابرًا، بل هي أساس البناء كله.. منكِ تبدأ الحكاية، وبكِ يتشكل الإنسان، وعلى يديكِ يُكتب مستقبله نحن، في الحقيقة، لا نحتاج إلى إصلاح الأجيال الشابة فكل محاولات الترميم المتأخرة لن تُجدي ما دام الخلل في الجذر.
*إن أردنا بناء حضارة قوية، ودول متقدمة، ومجتمعات متماسكة، علينا أن نعود إلى الأصل… علينا أن نلتفت إلى الأم.
*فهناك تبدأ القصة، وهناك أيضًا يبدأ الخلل… أو يبدأ الإصلاح علينا أن نسأل بصدق أي شيء جعل الأم تغيب عن دورها الحقيقي؟ ما العلة التي أفقدتها الأمان، حتى عجزت عن منحه؟.
*ما الذي شوّه فطرتها، فاختلطت عليها الأولويات، وتبدلت المعايير؟
أهي ضغوط الحياة؟ أم تحولات المجتمع؟ أم مفاهيم زائفة أُلبست ثوب التقدم، فانتزعت منها جوهرها دون أن تشعر؟ إن الأم التي لم تتلقَّ الأمان لن تستطيع أن تمنحه.
*والأم التي تشوّهت فطرتها لن تستطيع أن تبني فطرة سليمة ولهذا فإن كل مشروع إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ من الأم فإذا رجعت إلى فطرتها، واستعادت وعيها بدورها، وامتلأت طمأنينة أولًا، لتفيض بها على من حولها.
*عاد المجتمع إلى توازنه، وعاد الوطن إلى عافيته، ونهضت الأمة من جديد ومن هنا أوجّه ندائي إلى كل صاحب قرار، إلى كل من بيده سلطة أو تأثير، وأضع أمامه هذه الأسئلة التي لا يجوز أن تمرّ مرور العابرين، بل تستحق وقفة تأملٍ ومراجعةٍ صادقة.
*كيف نريد أن نبني إنسانًا سويًا ونحن لا نحمي من تصنعه؟ وكيف نطمح إلى نهضة حقيقية ونحن نغفل عن المنبع الأول الذي تبدأ منه كل نهضة؟؟
كيف نستطيع أن نردّ للأم ما تستحقه من تقديرٍ واعتبار، وأن نخفف عنها ما أثقل فطرتها من أعباءٍ لم تخترها، بل أملتها تعقيدات الحياة وتسارع إيقاعها؟ وكيف نُقرّ إجازاتٍ عادلة تراعي الحمل والولادة والأمومة، ونسنّ من القوانين والتشريعات ما يكفل لها حياةً كريمة، لا تُنتزع فيها إنسانيتها تحت وطأة الضغوط، ولا تُدفع إلى المفاضلة بين ذاتها وواجباتها، ولا تكون أسيرة ضغط العمل أو رهينة شبح الفقد، ولا عالقة بين نارين: رزقها وطفلها؟ لتجد المساحة النفسية الرحبة التي تعينها على أداء رسالتها النبيلة، وتنهض بها إلى دورها العظيم في صناعة الإنسان وبناء الحياة.
*فالأمومة ليست عبئًا يُعاقَب عليه، بل رسالة إنسانية عظيمة تستحق من الدول أن تحيطها بالرعاية والحماية والتقدير.
*إن دعم الأم ليس ترفًا اجتماعيًا، ولا بندًا ثانويًا في سياسات الدول بل هو استثمار في الإنسان،وحماية للمستقبل،
وضمان لاستقرار المجتمع بأسره.. فالأم التي تُحاط بالعناية تُنشئ إنسانًا مطمئنًا،
والإنسان المطمئن… لا يهدم، بل يبني
كل ما نحتاجه اليوم ليس أمًا تمنح الوجود فحسب، بل طاقة تمنح الحياة.
*مصرية مقيمة في لندن