15 سنة على انفصال الجنوب …هل ستلاحق السودان مخاطر المزيد من التقسيم؟
- لماذا فشل مشروع الوحدة الجاذبة الذي نصت عليه اتفاقية نيفاشا 2005م؟
- بروز التيارات الانفصالية اثناء حكم الانقاذ واحدة من الاخطاء التي لاتغتفر
- كل انظمة الحكم في السودان اسهمت
- في ما حدث في 9 يوليو2011م بدرجات متفاوتة
- الرئيس المصري الاسبق محمد نجيب نبه مبكرا لمؤامرة انفصال الجنوب
تقرير- د. إبراهيم حسن ذو النون:
اليوم الخميس 9 يوليو 2026م تكون قد مرت على انفصال جنوب السودان خمسة عشر عاما من البلد الأم (السودان بلد المليون ميل مربع) وبالطبع فان الكثير من اجهزة الاعلام التقليدية والرقمية تكون قد حشدت الكثير من المقالات والدراسات لهذه المناسبة والتي يصعب على كل مهتم ان يقوم بتوصيفها التوصيف الصحيح او الدقيق لان انفصال اي جزء من اي دولة ستكون له من الاثار السالبة التي ستلقي بظلالها على الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية ولست هنا بصدد تكرار الحديث عن الاثار السالبة علي الانفصال والتي نعايشها الان بعد مرور خمسة عشر عاما عليه
(1)

من الضروري جدا ان تقوم مراكز الدراسات والابحاث السياسية والاستراتيجية وبعد مرور
خمسة عشرة عاما على انفصال الجنوب ليس على دراسة تلك الاثار بل دراسة الاسباب الجذرية والتاريخية لانفصال جنوب السودان عن الدولة ذلك لان عدم استدراك وتدراك تلك الاسباب وسبر غورها ستلاحق السودان مجددا مخاطر المزيد من الانقسام لانه من المعلوم ان خطة تقسيم وتفتيت السودان مشروع قديم جديد ضمن مشروع الشرق الاوسط الجديد الذي وضع خطته ورسم خريطته برناد لويس والذي يعتبر عراب مشروع الفوضي الخلاقة ومعلوم ايضا ان السودان يدخل ضمن مشروع سايس بيكو الجديد الذي تقوم فكرته على الرؤية التوراتية والذي يعتبر عرابه الدبلوماسي الاسرائيلي عويد بيون والذي يرمي لتفكيك الدول المحيطة باسرائيل وهي العراق وسوريا وصر ولبنان وفي ذات الوقت يرمي لتحقيق هدف التفكيك لدول جوار الجوار الاسرائيلي (المملكة العربية السعودية والسودان)وتقوم فكرة ينون المركزية على الرؤية اليهودية لاعادة تشكيل الشرق الاوسط الجديد.
(2)

وايضا من اللازم مناقشة أسباب فشل ان تكون الوحدة الجاذبة هي الجند الاهم اثناء الفترة الانتقالية لتنفيذ انتفاقية نيفاشا 2005م-2011م حيث نصت الاتفاقية على ذلك إلا ان بروز التيارات الانفصالية اثناء تلك الفترة (انفصاليو الشمال انفصاليو الجنوب تيارات منابر أحزاب صحف ورقية صحف الكترونية منتديات )حتى اصبح ومنذ السنوات الاولى للفترة الانتقالية صوت الانفصال والانفصاليين هو المرجح وما احداث طائرة الدكتور العقيد جون قرنق التي اودت بحياته وما لحق بها من ردود افعال عنيفة من الجنوبيين في الخرطوم وشمال السودان قد زادت من مطالبات عامة الناس بفصل الجنوب دون ان يتبينوا بوعي مخاطر الفصل والانفصال
(3)

صحيح ان بروز التيارات الانفصالية وثقافة الانفصال وعدم جعل الوحدة بين شمال وجنوب السودان خيارا جاذبا يعد واحدا من الاخطار التي لاتغتفر ولكن هناك ثمة اسباب جذرية وتاريخية ظلت هي المحرك وصل اليه الامر في 9 يوليو 2011م وقد استطاع الدكتور منصور خالد من خلال كتاباته ان يصل إلى تلك الأسباب ومناقشها بشكل جرئ حتى جعل الكثير من المهتمين يقولون ان النفصال قد بات امرا واقعا من السبب تداركه
ولعل مؤلفه (جنوب السودان في المخيلة العربية الصورة الزائفة والقمع التاريخي) الذي صدر في العام 2000م و(السودان أهوال الحرب وطموحات السلام قصة بلدين) والذي صدر في العام 2003م
ففي الكتابين قدم قراءة نقدية وتاريخية وسياسية عميقة لازمة الحكم في السودان حيث حاول تجاوز السرديات القليدية التي اختزلت مشكلة جنوب السودان في سياق الاسباب المباشرة دون التعمق في الجذور وتعتبر شهادة الدكتور منصور خالد في الكتابين وفي كتبه وكتاباته الاخرى شهادة صادقة من رجل كان جزءا من النخبة التي ينتقدها مما يضفي على نقده مصداقية فريدة كما انها تعتبر دعوة إلى التصالح مع الذات قبل التصالح مع الآخر والعتراف بان معاناة السودانيين لم تاتي من خارج التاريخ بل من داخل السودان ومن عجز النخب التي حكمته
(4)
ان شهادة الدكتور منصور خالد في مجملها شهادة سياسية وفكرية مستمدة من تجربة شخصية حيث انه كان في سبعينات القرن العشرين (اتفاقية اديس ابابا1972م إذ انه كان أحد المفاوضين البارزين في تللك المباحثات الطويلة والشاقة التي تمت بين الحكومة السودانية وحركة جوزيف لاقوةقائد التمرد وقتها وقد مثل وجود منصور خالد فيها معادلا مهما في تحريك الكثير من المياه المتجمدة لمشكلة الجنوب السوداني والتي عالجتها اتفاقية اديس ابابا ولكن بعد احد عشر عاما أي في العام 1983م عادت الحرب ثانية لدورانها بواسطة الدكتور العقيد قرنق وكذلك احدث هذا التمرد شروخات جديدة في علاقة الشمال والجنوب ولكن هذه المرة امتدت الحرب الي مناطق اخري شملت جبال النوبة وتلال الا نقسنا على النيل الازرق وشرق السودان كما جرت محاولات في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي لنقل الحرب إلى دارفور إلا ان حركة ،المهندس داؤود يحيى بولاد قد تم وادها في مهدها
(5)
ان تحميل طرف أو اطراف لوحدها مسئولية انفصال جنوب السودان في 11 يوليو 2011م امر غير صحيح لان من الثابت تاريخيا ومن خلال الوثائق والمستندات ان جميع انظمة الحكم في السودان ومنذ سنوات الاستقلال الاولي وما قبلها مؤتمر جوبا 1947م لها اسهام في الوصول إلى حتمية الانفصال ولكن هذه المسئولية تتفاوت من نظام حكم لاخر سواء كان عسكريا او مدنيا ديقراطيا ولكن من الضروي الوقوف عند كل الظروف والملابسات ايا كان مصدرها للوصول الي الحقائق المجردة والتي قطعا ستوصل الي نتائج ايجابية
(6)

من الشهادات المهمة جدا في التنبيه المبكر لمؤامرة فصل جنوب السودان شهادة الرئيس المصري الاسبق اللواء محمد نجيب والتي اوردها في وثائقه التي نشرها حيث قال انه اطلع مبكرا على خارطة وضعها الانجليز لتقسيم السودان لست دويلات وانهم كانوا يخططون لجعل السودان دولة هند جديدة والتي تم تقسيمها إلى الهند وباكستان وبنجلاديش والهدف المحور من ذلك اثارة النعرات المتاطقية والقبلية والعرقية والاثنية واذكاء خطاب الكراهية بينها وذلك بزرع العدواة والبغضاء بينها وقد اسهمت الكنائس البعثات التبشيرية الكنسبة في ذلك.
(7)
برغم مرور خمسة عشر عاما على انفصال جنوب السودان وقد تلظى كل السودان وكل جنوب السودان باثار ذلك الحدث الذي زلل ارض المليون ميل مربع إلا ان البحث بروية وتاني سيسهم وبشكل اساسي في استدراك وتدراك أي محاولات لتقسيم السودان للمزيد من الدول حتى يسهل افتراسه فبالسودان ثروات ظاهرة ومخبؤة هي المبعث الاساسي لتفكيكه لانه لو انطلق وتوحد لاصبح دولة وعظيمة وقوية تملم اسباب النهضة والتقدم وهذا ما يخيف اعداءه ولكن السؤال المهم هل يعي ويدرك ابناءه ذلك.