
هل كان (ترس الشمال) سبباً في خروج مصر من كأس العالم؟
فاطي سطر
محمد عبد الماجد
لا يعجبني تعامل الإعلام المصري مع الهزائم، هم لا يعترفون بها، وينكرون أسبابها الحقيقية، ودائماً الهزيمة عندهم ترجع لعوامل خارجية.
مصر بتاريخها ومكانتها وشعبها إذا تجاوزت هذا المربع وخرجت عن إعادة تدوير الهزيمة يمكن أن تحقق الكثير، مصر أكبر من ذلك، لماذا تبكون بهذه الصورة وقد خرجت مصر من نهائيات كأس العالم عبر الباب الكبير؟
خرجت منتخبات أكبر من المنتخب المصري من نهائيات كأس العالم؛ خرجت البرازيل وهولندا وكرواتيا والبرتغال، وتقبلوا الهزيمة بروح رياضية، لم يعللوا خروجهم بسبب التحكيم ولم يرتموا لنظرية المؤامرة. ما يتحدث عنه الإعلام المصري هو جزء من متعة كرة القدم، نقول الأخطاء جزء من كرة القدم، ومَن يبحثون عن كرة قدم بدون أخطاء عليهم أن يبحثوا عن شيء آخر؛ فالأخطاء في العمليات الطبية الدقيقة المرتبطة بالحياة والموت موجودة، فكيف لا توجد في كرة قدم الكثير من قراراتها ترجع للتقديرات الشخصية؟
يحاول بعض الإعلاميين في مصر الذين يقدمون برامج ذات طابع سياسي أن يركبوا الموجة ويلحقوا بـ (التريند) ويستغلوا عواطف الناس، فيحدثوهم عن أشياء لا نشاهدها حتى في السينما المصرية، هم يعتقدون أن التخدير هو قمة الوطنية، إنهم يتاجرون بمواقفهم.
اعتدنا منهم ذلك في كل هزائم الأهلي المصري، فهم عندما يخسر الأهلي يخترعون أشياء من وحي الخيال.
يخسر الأهلي من صن داونز فيرجعون السبب إلى أن الأهلي لعب عند الثالثة ظهراً، رغم أنهم حتى في كأس العالم يلعبون عند منتصف النهار الساعة الثانية عشرة… بل في مصر نفسها يلعبون في نفس التوقيت مباريات كثيرة.
يخسر الأهلي من الهلال فيردون الخسارة إلى سوء الأرضية وحرارة الشمس ومياه الصرف الصحي وما تعرضوا له من إرهاب في أم درمان، رغم أن الأهلي سبق أن خسر من الهلال وهو يلعب في القاهرة على ملعبه في الكلية الحربية.
يخسر الأهلي من الوداد في النهائي، فترجع الخسارة لمؤامرة الاتحاد الأفريقي، بل ومؤامرة الاتحاد المصري أيضاً ضد الأهلي، مع أن ريال مدريد يخسر وبرشلونة تخسر ومانشستر سيتي يخسر.
المنتخب المصري خسر أمام السنغال التي حرمته من الوصول لنهائيات كأس العالم 2018م فحسبوا الخسارة بسبب التحكيم والليزر، وأكدوا إعادة المباراة ووهموا الشعب المصري بذلك.
في عام 2010م خسر المنتخب المصري من المنتخب الجزائري في فاصلة أم درمان فلم يسلم سوداني واحد من ألسنة المصريين.
خسروا من المنتخب الأرجنتيني فأشاعوا إعادة المباراة بسبب أخطاء التحكيم؛ تخيلوا أن مباراة في نهائيات كأس العالم في وجود تقنية (الفار) تعاد! وأشهر بطولات الأرجنتين في كأس العالم حققتها الأرجنتين عن طريق يد مارادونا أمام إنجلترا التي اخترعت كرة القدم وهُزمت بيد مارادونا.
الأكيد أننا نتأثر بمصر وما يحدث من إعلامها يحدث عندنا، خاصة عندما يخسر المريخ فهم يرددون نفس الأسطوانة ويوهمون جماهيرهم بشكاوى وهمية.
أخشى أن ينتقل ذلك إلينا، فنحن نشبه المصريين ونتأثر بهم.
في مصر إيجابيات كثيرة وسلبيات قليلة، لكن للأسف نحن نترك الإيجابيات الكثيرة ونأخذ منهم السلبيات القليلة.
في مصر يهاجمون الآن الأرجنتين ويتهمونها بالصهيونية ويصفون ميسي بالخنزير، وهذه أمور تخرجنا من الروح الرياضية؛ حتى إذا خسرت مصر بالتحكيم فهذه أمور ثانوية في كرة القدم لا تحتمل كل هذه المؤامرات.
إذا كانت هنالك أخطاء (وهمية)، فإن الحقيقة تقول إن مصر انهارت في 11 دقيقة وقبلت شباكها ثلاثة أهداف بصورة غريبة؛ ابحثوا عن السبب في ذلك بدلاً من غطاء ذلك بأخطاء التحكيم.
في مصر كانوا يسخرون من المنتخبات الأفريقية لأنها انهارت في آخر عشر دقائق وتغلبت عليها منتخبات كبيرة في (ريمونتادا) بعد أن كانت المنتخبات الأفريقية تتقدم عليها بهدفين؛ حصل ذلك للكونغو الديمقراطية والسنغال والرأس الأخضر، وجاءت مصر وشربت من نفس الكأس.
لا تتركوا الأسباب الحقيقية للهزيمة وتتمسكوا بالأسباب الهامشية.
في كرة القدم من الطبيعي أن تحدث مناوشات عند الهزيمة، هذه أمور تحدث حتى بين أبناء الوطن الواحد؛ غالبية السودانيين شجعوا مصر، وقلة منهم كانوا ضد مصر وهذا أمر طبيعي، ولميسي والأرجنتين مريدون في العالم كله. وقد شهدنا إعلام الزمالك قبل البطولة كان ينتقد مصر وبعضهم كان يتمنى هزيمة منتخب بلاده بسبب اختيارات حسام حسن، وهنالك من شمت منهم على خروج المنتخب المصري رغم المستوى الرائع الذي قدمه المنتخب المصري في البطولة، فلماذا تستهجنون على السودانيين حقهم في الاختلاف حول تشجيع مصر وهم حول وطنهم مختلفون؟
لقد تغنينا عندما انتصرت مصر وقلنا معهم (يا مصر بتعمليها إزاي)، وغنينا لمصر (مصر يا أخت بلادي)، ومدحنا لها (مصر المؤمنة)، فلماذا تحرمون بعض السودانيين حقهم في تشجيع منتخب آخر؟ الشعب السوداني شعب صادق لا يعرف المجاملة مثل الشعوب الخليجية.
قنوات (بي إن سبورت) نقلت من أندية مشاهدة في عواصم عربية مشاهد تؤكد مساندة الكثير من الشعوب العربية لمنتخب مصر وتفاعلهم مع المباراة، لماذا لم تفعل قنوات (بي إن سبورت) ذلك من الخرطوم وتنقل مساندة الشعب السوداني للمنتخب المصري حتى وهم يعيشون في حالة حرب ويعانون من انقطاع التيار الكهربائي والأمراض الوبائية؟
العلاقات بين السودان ومصر علاقة راسخة وخالدة لن تؤثر فيها مثل هذه المشاغبات الرياضية، ولن تؤثر عليها حتى الصراعات السياسية التي تحدث من وقت لآخر بين الحكومتين، ونحن نقول: الشعبان السوداني والمصري شعب واحد.
خروج مصر من كأس العالم لم يكن بسبب ترس الشمال، السودان فيه ما يكفيه من جراح فلا تحملوه المزيد منها.
لقد شجع الكثير من السودانيين المنتخب المصري حتى بعد الأحداث التي شهدتها مناجم الذهب على الحدود.
السودانيون الذين كانوا قريبين من التأهل إلى النهائيات خرجوا من وطنهم ولم يفقدوا روحهم الرياضية ولم يتخلوا عن شغفهم البريء؛ أإن خرجت مصر من كأس العالم قامت الدنيا ولم تقعد؟ رغم أن مصر لأول مرة في تاريخها تصل لدور الـ16 ولأول مرة مصر تحقق انتصاراً في نهائيات كأس العالم منذ أول مشاركة للمنتخب المصري في 1934م.