آخر الأخبار

بين الشرعية والواقع… هل يقود انتخاب رئيس للجمهورية إلى إنقاذ السودان أم تعقيد أزمته؟

دكتور البشير الحسن أبونخل

 

 

 

برزت في الآونة الأخيرة أصوات تدعو إلى حل مجلس السيادة الانتقالي، وإنشاء منصب رئيس للجمهورية يتولى قيادة الدولة، مع ترشيح رئيس مجلس السيادة الحالي والقائد العام للقوات المسلحة لهذا المنصب، سعادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، وإجراء تعديلات على الوثيقة الدستورية تُطرح في استفتاء شعبي عام تحت رقابة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية ومنظمة الإيقاد وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية.

 

 

 

 

ومن حيث المبدأ، تبدو الفكرة محاولة لإضفاء شرعية شعبية مباشرة على قيادة الدولة، والانتقال من شرعية المرحلة الانتقالية إلى شرعية تستند إلى الإرادة الشعبية. غير أن السياسة لا تُقاس بحسن النوايا وحده، وإنما بمدى قابلية الأفكار للتنفيذ في ظل الواقع القائم.

 

 

 

 

السؤال الجوهري هنا ليس: هل يحتاج السودان إلى رئيس للجمهورية يتمتع بشرعية شعبية؟ فالإجابة الطبيعية هي نعم، لأن الاستقرار الدستوري لا يكتمل إلا بقيام مؤسسات تستمد مشروعيتها من إرادة المواطنين. لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل تسمح الظروف الراهنة بإجراء استفتاء أو انتخابات تتوافر فيها شروط النزاهة والشمول والاعتراف الداخلي والخارجي؟

 

 

 

 

فالبلاد لا تزال تخوض حرباً شرسة، فيما لا تزال مليشيا الدعم السريع المتمردة تسيطر على أجزاء من إقليم دارفور وبعض مناطق كردفان، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول إمكانية تنظيم عملية اقتراع تشمل جميع السودانيين. فالشمول الجغرافي والمشاركة المتكافئة يمثلان شرطاً أساسياً لأي عملية ديمقراطية تحظى بالمصداقية والقبول.

 

 

 

كما أن أي استفتاء أو انتخابات لا تشمل كامل التراب السوداني ستواجه انتقادات تتعلق بشرعية الإجراءات وعدالة التمثيل، وقد تتحول نتائجها إلى عامل جديد لتعميق الانقسام السياسي بدلاً من أن تكون مدخلاً لإنهائه.

 

 

 

ويبرز هنا هاجس آخر لا يقل خطورة، وهو أن الإقدام على ترتيبات دستورية وسياسية كبرى قبل حسم الوضع العسكري قد يقود السودان إلى نموذج شبيه بما حدث في ليبيا واليمن، حيث أفرزت تعدد الشرعيات وتنازع السلطات حكومات ومؤسسات متوازية، الأمر الذي أطال أمد الصراع، وأضعف مؤسسات الدولة، وفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الإقليمية والدولية.

 

 

 

 

وفي ظل استمرار سيطرة مليشيا الدعم السريع المتمردة على أجزاء من البلاد، فإن أي عملية استفتاء أو إعادة هيكلة لمؤسسات الحكم قد تجد نفسها أمام واقع تتعايش فيه شرعيتان متنافستان، لكل منهما أنصاره وحلفاؤه، وهو سيناريو ينبغي للسودان أن يتجنبه بكل السبل، لأن نتائجه قد تكون أكثر تعقيداً من الأزمة الحالية.

 

 

 

 

وعلى الصعيد الداخلي، يبرز سؤال لا يقل أهمية: هل يحظى هذا المقترح بإجماع داخل مؤسسات الحكم نفسها؟

فمجلس السيادة ليس مجرد مؤسسة دستورية، بل هو نتاج ترتيبات سياسية وعسكرية معقدة، ويضم ممثلين للقوات المسلحة والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام. ومن ثم، فإن أي مقترح يقضي بحله أو إعادة تشكيله لن يكون قراراً إجرائياً بسيطاً، بل يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً، لأن تجاوز مكونات رئيسية في السلطة قد يفتح الباب أمام خلافات جديدة في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توحيد الصفوف لا إلى إنتاج أزمات إضافية.

 

 

 

 

أما على المستوى الخارجي، فإن الاعتراف الدولي لا يتوقف على وجود رقابة دولية فحسب، بل يرتبط أيضاً بمدى توافر البيئة الأمنية والسياسية والقانونية التي تضمن إجراء عملية حرة ونزيهة وشاملة. ومن غير المرجح أن تحظى أي عملية سياسية باعتراف كامل إذا أُجريت في ظل استمرار الحرب والانقسام العسكري والجغرافي، ما لم تكن جزءاً من تسوية وطنية شاملة.

 

 

 

ولا يعني ذلك أن المقترح يخلو من المبررات؛ فهناك من يرى أن إنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة، وإقامة مؤسسة رئاسية ذات شرعية انتخابية، قد يعزز مؤسسات الدولة ويقوي موقف السودان إقليمياً ودولياً. كما أن الاحتكام إلى الشعب يظل، من حيث المبدأ، الوسيلة الأكثر مشروعية لحسم الخلافات حول مستقبل السلطة.

 

 

 

 

غير أن الوصول إلى هذه الغاية يقتضي أولاً تهيئة البيئة التي تجعل الاحتكام إلى الشعب ممكناً وذا مصداقية، وفي مقدمة ذلك استعادة الأمن، وبسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني، وضمان مشاركة جميع السودانيين دون استثناء، وتوفير الحد الأدنى من التوافق الوطني.

 

 

 

لذلك، فإن ترتيب الأولويات يظل عاملاً حاسماً في نجاح أي مشروع سياسي. فالهدف العاجل ينبغي أن ينصب على استكمال حسم التمرد، وتطهير جميع أنحاء السودان من وجود الجنجويد وآل دقلو، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، وترسيخ الأمن والاستقرار. وعندئذ فقط يمكن الانتقال إلى مرحلة الاستفتاء أو الانتخابات في بيئة وطنية مستقرة، تضمن أن تكون نتائجها معبرة بحق عن الإرادة الحرة لجميع السودانيين.

 

 

 

إن القضية في نهاية المطاف ليست في استبدال مجلس السيادة بمنصب رئيس للجمهورية، وإنما في بناء شرعية وطنية راسخة تستند إلى وحدة الأرض وسيادة الدولة وإرادة الشعب. فالطريق إلى رئاسة منتخبة لا يبدأ من صناديق الاقتراع وحدها، بل يبدأ أولاً باستعادة الدولة لسيطرتها الكاملة على أراضيها، وإنهاء التمرد، ومنع نشوء شرعيات متوازية قد تدفع السودان إلى تكرار تجارب مؤلمة شهدتها دول أخرى. وعندما يتحقق ذلك، تصبح الانتخابات تتويجاً لوطن موحد، لا سبباً في تعميق الانقسام أو إطالة أمد الأزمة.