
السودان ليس مشروعاً يُصاغ في الغرف المغلقة
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
يثير مقال الدكتور صلاح بندر الموسوم (من يحدد مستقبل السودان؟) سؤالاً يتجاوز حدود اجتماع ويلتون بارك في بريطانيا، ليلامس جوهر الأزمة السودانية، وهو سؤال الشرعية والتمثيل والسيادة. فالقضية ليست في انعقاد اجتماع دولي جديد، ولا في حضور شخصيات سودانية أو غياب أخرى، وإنما في الكيفية التي يُراد بها رسم مستقبل وطن يعيش واحدة من أعقد أزماته السياسية والإنسانية.
*تكمن قوة المقال في أنه لا يتعامل مع اجتماع ويلتون بارك باعتباره حدثاً بروتوكولياً، بل يقرأه في سياق سلسلة من التحركات الدولية التي شهدها الملف السوداني خلال الفترة الماضية، بدءاً من مؤتمرات باريس ولندن وبرلين، وصولاً إلى محاولات إعادة تشكيل الفضاء السياسي السوداني، وصناعة قوى يراها المجتمع الدولي شريكاً محتملاً في أي تسوية قادمة. وهذه قراءة تستحق التوقف، لأن السياسة الدولية لا تتحرك غالباً بمنطق الأحداث المنفصلة، وإنما بمنطق المسارات المتراكمة.
*ويحسب للكاتب أنه يلفت الانتباه إلى أن اختيار المشاركين في مثل هذه الاجتماعات ليس قراراً فنياً محضاً، بل يحمل في ذاته دلالات سياسية، إذ قد يمنح بعض الأسماء مساحة أوسع للتأثير، ويهيئها للظهور باعتبارها ممثلة لقوى أو قطاعات من المجتمع، حتى في غياب تفويض شعبي واضح. وهذه ملاحظة جديرة بالنقاش في كل التجارب الانتقالية، لأن الشرعية السياسية لا تُبنى فقط على الحضور في المؤتمرات الدولية، وإنما على الامتداد الحقيقي داخل المجتمع.
*وفي المقابل، فإن النقاش حول التمثيل لا ينبغي أن يتحول إلى رفض مطلق لكل جهد دولي يسعى إلى تقريب وجهات النظر أو البحث عن مخارج للأزمة.. فقد أثبت التاريخ أن كثيراً من الحروب انتهت عبر وساطات دولية وإقليمية، لكن نجاح تلك الوساطات كان دائماً مرتبطاً بمدى احترامها لإرادة الشعوب، وعدم فرض بدائل سياسية لا تجد قبولاً داخل أوطانها.
*إن السودان اليوم يحتاج إلى حوار واسع وشامل، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى وضوح في الأسس التي يقوم عليها هذا الحوار.. فلا يمكن بناء سلام دائم إذا غابت العدالة، ولا يمكن إنتاج استقرار سياسي إذا جرى تجاوز المؤسسات الوطنية، أو إذا شعر السودانيون أن مستقبلهم يُناقش بعيداً عنهم.. فالسلام الحقيقي ليس مجرد اتفاق سياسي، وإنما عقد اجتماعي جديد يقوم على سيادة القانون، والمساءلة، والمواطنة المتساوية، واحترام إرادة الشعب.
*ومن أبرز ما يثيره المقال قضية العلاقة بين الداخل والخارج.. فليس كل من يمتلك علاقات دولية أو حضوراً في المنابر الخارجية يصبح ممثلاً للمجتمع السوداني، كما أن وجود السودانيين في المهجر لا ينتقص من وطنيتهم أو حقهم في الإسهام في النقاش العام.. غير أن التمثيل السياسي يظل مرتبطاً بمدى الاتصال الحقيقي بالمجتمع، والقدرة على التعبير عن قضاياه وتطلعاته، وليس بمجرد القبول لدى العواصم الأجنبية أو المؤسسات الدولية.
*كما يطرح المقال سؤالاً مهماً حول التوازن بين إنهاء الحرب وتحقيق العدالة.. فالتجارب الدولية تؤكد أن التسويات التي تؤجل المحاسبة أو تتجاوز حقوق الضحايا قد توقف القتال مؤقتاً، لكنها لا تنهي أسباب الصراع، بل تؤسس لجولات جديدة من عدم الاستقرار.. ولهذا فإن أي مشروع سياسي للسودان ينبغي أن يضع العدالة الانتقالية والمساءلة في صلب عملية السلام، لا على هامشها.
*ولا شك أن المجتمع الدولي يملك مصلحة مشروعة في استقرار السودان، لما يمثله من أهمية إقليمية وإفريقية، لكن هذه المصلحة ينبغي ألا تتحول إلى حق في تحديد شكل الدولة أو اختيار من يتحدث باسم السودانيين. فالدعم الدولي يصبح قيمة مضافة عندما يساند الإرادة الوطنية، ويتحول إلى مصدر للأزمة عندما يحاول أن يحل محلها.
*إن مستقبل السودان لا تصنعه المؤتمرات وحدها، ولا تحسمه البيانات الدبلوماسية، كما لا ترسمه موازين القوة العسكرية وحدها.. وإنما يصنعه توافق السودانيين على مشروع وطني جامع، يحافظ على وحدة الدولة، ويعيد بناء مؤسساتها، ويؤسس لحكم راشد قائم على القانون والعدالة والمشاركة السياسية الحقيقية.
*لقد نجح الدكتور صلاح بندر في إثارة نقاش مهم حول طبيعة المرحلة التي يمر بها السودان، وأعاد طرح أسئلة لا يجوز تجاوزها عند الحديث عن أي تسوية سياسية مقبلة.. فالقضية ليست رفض الحوار، بل ضمان أن يكون الحوار معبراً عن الإرادة الوطنية، وأن يكون هدفه إنهاء الحرب وبناء الدولة، لا إعادة توزيع الشرعية أو إنتاج نخب جديدة بعيداً عن إرادة الشعب.
*وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن السودان لن يخرج من أزمته إلا عندما يصبح السودانيون أنفسهم أصحاب القرار الأول في رسم مستقبل وطنهم.. فالدعم الخارجي يمكن أن يساند، والوساطة يمكن أن تقرب، والخبرة الدولية يمكن أن تعين، لكن القرار الوطني لا ينبغي أن يُستورد، لأن الدول التي تُبنى بإرادة شعوبها وحدها هي القادرة على حماية وحدتها واستدامة سلامها وصناعة مستقبلها.