
ليس سد مروي وحده من سقط… بل سقطت فلسفة إدارة الكهرباء
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*حين يصبح وطن بأكمله رهينة لمحطة واحدة حين تغرق المدن في الظلام، وتتوقف المصانع، وتتعطل محطات المياه، وتئن المستشفيات تحت وطأة انقطاع التيار، يصبح من العبث اختزال المأساة في عبارة واحدة: سد مروي خرج عن الخدمة.. فسد مروي لم يكن سبب الأزمة، بل كاشفها.. أما الأزمة الحقيقية فهي انهيار فلسفة إدارة قطاع الكهرباء، حتى أصبح السودان، بكل مساحته وثرواته، رهينة لمحطة واحدة.. هذه ليست أزمة فنية عابرة، وإنما أزمة دولة، وأزمة إدارة، وأزمة تخطيط.. فالدول لا تُقاس بقدرتها على بناء السدود فحسب، بل بقدرتها على إدارة المخاطر، وتأمين البدائل، وحماية مرافقها الإستراتيجية من الانهيار عند أول اختبار.
*ولا جدال في أن الحرب التي أشعلتها القوات المتمردة الإرهابية مليشيا (الدعم السريع) ألحقت دمارًا كبيرًا بالبنية التحتية للكهرباء، واستهدفت محطات التوليد وخطوط النقل ومحطات التحويل. لكن الحرب كشفت هشاشةً كانت قائمة أصلًا، ولم تُنشئها.. فالمنظومات القوية تُصاب لكنها لا تنهار، أما المنظومات التي أُضعفت بالإدارة الخاطئة فتسقط عند أول صدمة.. لقد كان أخطر ما تعرض له قطاع الكهرباء ليس قصف المحطات، وإنما استنزاف العقول. فالمحولات يمكن شراؤها، والأبراج يمكن تشييدها، لكن الخبرات التي تُفقد بقرارات إدارية متعجلة لا تُعوَّض بسهولة.. و أشير أن لجنه إزالة التمكين سيئه الذكر كانت قد استهدفت قطاع الكهرباء وفصلت أكثر من (500) موظف وعامل من قطاع الكهرباء منهم ثلاثمائة ثلاثه وخمسين مهندس والبقيه ما بين عامل وفني ومتخصص من القطاع، وهو نزيف أصاب المؤسسة في صميمها، وحرمها من خبرات تراكمت عبر عقود.
*ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا انقطعت الكهرباء؟ بل: لماذا تُرك قطاع بهذه الأهمية حتى أصبح عاجزًا عن مواجهة الأزمات؟ ولماذا غابت الخطط البديلة؟ ولماذا لم تُبنَ منظومة احتياطية تضمن استمرار الإمداد الكهربائي في الظروف الاستثنائية؟.. الكهرباء ليست مرفقًا خدميًا عاديًا، بل هي أحد أعمدة الأمن القومي. فكل دقيقة ينقطع فيها التيار تعني خسائر في الإنتاج، وتعطلًا في الخدمات الصحية، وتراجعًا في الاستثمار، ومعاناةً للمواطنين. والدولة التي لا تؤمن طاقتها لا تستطيع أن تؤمن اقتصادها ولا استقرارها.
*ولهذا فإن الإصلاح لا يبدأ بإعادة تشغيل محطة، وإنما بإعادة بناء المؤسسة.. وأولى خطوات ذلك إعادة وزارة الكهرباء كوزارة مستقلة ذات صلاحيات كاملة، يقودها أصحاب الكفاءة والخبرة، بعيدًا عن المجاملات والمحاصصات، مع مراجعة شاملة للكوادر والاستفادة من جميع الخبرات الوطنية التي يستطيع هذا الوطن أن يستند إليها في معركة إعادة البناء.
*كما أن على رئيس مجلس الوزراء أن يتعامل مع ملف الكهرباء باعتباره ملفًا سياديًا لا قطاعيًا، وأن يقود برنامجًا وطنيًا عاجلًا لإعادة هيكلة المنظومة الكهربائية، يقوم على التخطيط العلمي، وإدارة المخاطر، وتنويع مصادر الإنتاج، لا على الحلول الإسعافية وردود الأفعال.. والأكثر غرابة أن السودان، وهو من أغنى دول العالم بالإشعاع الشمسي، ما يزال يتعامل مع الطاقة الشمسية وكأنها مشروع هامشي، بينما كان يمكن أن تصبح ركيزة للأمن الطاقوي، وسندًا للمشروعات الزراعية، وحلًا مستدامًا لإنارة الريف وتخفيف الضغط على الشبكة القومية.. إن إنشاء هيئة وطنية للطاقة الشمسية، وربطها بخطة قومية للتوسع في الطاقة المتجددة، لم يعد رفاهية، بل ضرورة تمليها المصلحة الوطنية.
*إن الشعوب لا تحاسب الحكومات على وقوع الأزمات وحده، بل على استعدادها لها.. وسيكتب التاريخ أن السودان لم يفقد الكهرباء بسبب الحرب وحدها، بل لأن الرؤية غابت، والتخطيط تراجع، والمؤسسات أُضعفت، والخبرات أُهدرت، حتى أصبح قطاع يمثل شريان الحياة عاجزًا عن حماية نفسه.. إن إعادة التيار إلى المنازل مهمة هندسية، أما إعادة الثقة إلى الدولة فهي مهمة سياسية وأخلاقية، تبدأ بالاعتراف بالأخطاء، ومحاسبة المقصرين، وإعلاء قيمة الكفاءة فوق كل اعتبار.
*فالظلام الذي يخيم على السودان اليوم ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة قرارات بشرية.. وما أفسدته السياسات لا يصلحه إلا قرار شجاع يعيد الاعتبار للمؤسسات، ويضع أهل الاختصاص في مواقع القيادة، ويعامل الكهرباء بوصفها قضية أمن قومي لا ملفًا إداريًا عابرًا.. ويبقى السؤال الذي لا يجوز تأجيله مرة أخرى: هل ستكتفي الدولة بإصلاح الأعطال، أم تمتلك الشجاعة لإصلاح السياسة التي أوصلت الكهرباء إلى هذا الانطفاء الكبير؟