آخر الأخبار

كيف يصبح الحوار السوداني-السوداني حوارًا وطنيًا

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*في أوقات الحروب لا يكون السؤال الأهم: من نحب ومن نكره؟ وإنما: كيف ننقذ الوطن؟ ..ولا يكون السؤال: من نختلف معه؟ وإنما: كيف نمنع الدولة من الانهيار.. ذلك لأن الأوطان لا تُبنى بمنطق الإقصاء، وإنما تُبنى بمنطق المشاركة، ولا تخرج من الحروب بإعادة إنتاج الخصومات، وإنما بامتلاك الشجاعة الكافية للجلوس حول طاولة واحدة، مهما بلغت قسوة الخلافات.

*ومن هنا تبرز المفارقة في بعض الطروحات المتعلقة بما يسمى بالحوار السوداني- السوداني؛ إذ يُرفع شعار الحوار بوصفه مدخلًا للحل، ثم تُرسم له منذ البداية قوائم بالمستثنين، وكأن الحوار أصبح حوارًا بين المتفقين أصلًا، لا بين المختلفين.. وهنا يبرز السؤال المنطقي إذا كان الحوار لا يجمع المختلفين، فمن الذي سيحاور من؟ وإذا كانت الأبواب تُغلق قبل أن يبدأ النقاش، فهل بقي للحوار معناه الحقيقي؟.

*لقد عرفت البشرية الحوار باعتباره وسيلة لتقريب المتباعدين، لا لتأكيد القطيعة بينهم.. فالحوار ليس مكافأة سياسية تُمنح لطرف، ولا عقوبة تُفرض على آخر، وإنما وسيلة لإدارة الاختلاف، ومنصة للبحث عن المشتركات، وآلية لإنقاذ الدول عندما تضيق بها السبل.. ولذلك فإن أي مبادرة وطنية تُطرح تحت عنوان (الحوار السوداني- السوداني) تكتسب قوتها من شمولها، لا من حجم الاستثناءات التي تضعها وتعجبني فكرة (الحوار من أجل الحوار) هذه الفكرة تستحق أن تُكتب بماء الذهب.. إنها عبارة تختصر فلسفة كاملة؛ فالحوار ليس وسيلة لتصفية الحسابات، ولا منصة لتوزيع صكوك الوطنية، وإنما قيمة في حد ذاته، لأنه الطريق الوحيد الذي تستطيع من خلاله الأمم أن تحول الخصومة إلى تفاهم، وأن تستبدل صوت السلاح بصوت العقل

وليس المقصود من شمول الحوار تبرئة أي طرف من المسؤولية القانونية أو السياسية، فذلك شأن مؤسسات العدالة والقضاء، وإنما المقصود أن يبقى باب النقاش الوطني مفتوحًا لكل من يقبل بمبادئ الحوار، لأن السلام الدائم لا يُصنع بإقصاء أصحاب التأثير، وإنما بإيجاد صيغ تُنهي أسباب الصراع وتفتح طريق المستقبل.

*ولذلك فإن كثيرًا من تجارب العالم أثبتت أن الحوارات الوطنية الكبرى لم تكن تجمع المتوافقين، بل جمعت الخصوم الذين خاضوا حروبًا دامية، ثم أدركوا أن استمرار القتال أخطر من الجلوس إلى طاولة التفاوض.. إن السودان اليوم لا يواجه خلافًا سياسيًا عابرًا، بل يمر بواحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث.. آلاف الضحايا، وملايين النازحين، ومدن مدمرة، واقتصاد منهك، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء.. وفي مثل هذه الظروف يصبح المطلوب هو توسيع دوائر الاتفاق، لا توسيع دوائر الاستبعاد.

*وقد تزامنت هذه الدعوات مع نقاشات سياسية شددت على أن السودان يواجه تحديات تمس وحدته الوطنية ومؤسساته، وأن المرحلة تستوجب اصطفافًا وطنيًا واسعًا، وتعزيزًا للوعي العام، وحمايةً لمؤسسات الدولة، ورفضًا لكل ما يغذي الانقسام والاستقطاب.. وهذه دعوة تستحق التأمل؛ لأن الدولة لا تحميها الشعارات وحدها، وإنما يحميها اجتماع الإرادة الوطنية، واحترام القانون، وبناء الثقة بين مكونات المجتمع وليس من الحكمة أن ندعو إلى وحدة الصف، ثم نبدأ بتوسيع دائرة الخصومة وليس من المنطق أن نتحدث عن المصالحة، بينما نُغلق أبوابها قبل أن تبدأ

فالسلام الحقيقي لا يولد من رحم الإقصاء، وإنما من شجاعة الاعتراف بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة وطنية دائمة.

*ولعل أخطر ما تواجهه الدول الخارجة من النزاعات هو أن يتحول الخلاف السياسي إلى انقسام اجتماعي، ثم إلى كراهية متوارثة، فتضيع الأجيال في معارك الماضي، بينما يتقدم العالم إلى المستقبل.. ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على القوى السياسية وحدها، وإنما تشمل النخب الفكرية والإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، وكل من يملك كلمة مؤثرة. فالكلمة قد تكون جسرًا يعبر عليه الناس نحو السلام، وقد تتحول إلى وقود يؤجج الانقسام.. ولذلك فإن الخطاب الوطني المسؤول هو الذي يدعو إلى احترام القانون، ونبذ خطاب الكراهية، وفتح مساحات الحوار، وتعزيز الثقة بين أبناء الوطن، مع الاحتكام إلى المؤسسات الشرعية في كل ما يتعلق بالمساءلة والحقوق

لقد علمنا التاريخ أن الدول لا تنهض بإلغاء بعضها بعضًا، وإنما بتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة

وقال الشاعر

إذا هَبَّتْ رياحُكَ فاغتنِمْها

فإنَّ لكلِّ خافقةٍ سكونا

وقال آخر

ولربَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى

ذرعًا، وعندَ اللهِ منها المخرجُ

*وفي تراثنا العربي حكمة بليغة تقول

إذا ضاق الرأي اتسع الخلاف، وإذا اتسع الحوار ضاق الخلاف ..وهذه هي القضية كلها..إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى عقل الدولة، لا إلى انفعالات السياسة وأحوج ما يكون إلى مشروع وطني جامع، لا إلى اصطفافات جديدة وأحوج ما يكون إلى خطاب يفتح النوافذ، لا إلى خطاب يزيد الجدران ارتفاعًا.

*فليكن الحوار من أجل السودان، لا من أجل الانتصار على الخصوم وليكن الحوار من أجل المستقبل، لا من أجل إعادة إنتاج الماضي.. وليكن الحوار شاملًا، قائمًا على احترام القانون، وحماية مؤسسات الدولة، وصون سيادتها، والاعتراف بالتنوع السياسي والاجتماعي، لأن الأوطان التي تخرج من الحروب لا تحتاج إلى غالبٍ ومغلوب، بقدر حاجتها إلى عقدٍ وطني جديد يُعيد بناء الثقة، ويضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار.

*فالسودان أكبر من الأحزاب، وأبقى من الحكومات، وأوسع من جميع الخلافات.. وإذا كان الوطن سفينةً واحدة، فإن الحكمة تقتضي أن يبحث ركابها عن وسيلة لإنقاذها، لا عن طريقة لتحديد من يستحق الصعود إليها ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل المبادرات.. هل نريد حوارًا يصنع وطنًا، أم حوارًا يصنع قائمةً جديدة من المستبعدين؟ فالجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد مستقبل السودان، لا عناوين المؤتمرات، ولا أماكن انعقادها، ولا أسماء المشاركين فيها.