آخر الأخبار

القضارف… 40 سنة عطش (1)

  • 500 ألف مواطن ببورتسودان يعانون من أزمة العطش
  • مرضى الفشل الكلوي بمستشفى بورتسودان يحتاجون يوميا 260 برميل مياه لعمليات الغسيل
  • لماذا فشلت مصادر المياه الأربعة في إرواء ظمأ سكان بورتسودان؟
  • غرق طلمبات سد الشواك سببه الرئيسي الإهمال وعدم التنسيق بين خزان ستيت ومحطة الشواك

تحقيق ــ التاج عثمان:
تعد القضارف أكثر الولايات السودانية التي تعاني من العطش الذي إمتد 40 سنة متواصلة وحتى اليوم.. 40 سنة عجزت كل الحكومات السودانية المتعاقبة في حل أزمة المياه المزمنة بالقضارف.. الحلول الخاصة بإرواء ظمأ القضارف وقراها موجودة لكنها حبيسة الأدراج لشئ في بعض النفوس الخربة.. الحكومات والأحزاب السياسية لا تهتم بأزمة مياه القضارف إلا في موسم الإنتخابات.. وعود ووعود كثيرة لكنها جميعها زائفة لدرجة أن إنسان القضارف كفر تماما بوعود الحكومة ما أحدث أزمة ثقة بين شعب القضارف والحكومات الكثيرة التي توالت على السودان بما فيها حكومة ولاية القضارف نفسها.. فما هي أسباب عطش مدينة بحجم وأهمية القضارف التي تطعم معظم سكان السودان بالذرة واللحوم وتسقيها زيت السمسم؟.. ولماذا فشلت كل المشاريع السابقة لإمداد المدينة التي أحرقها العطش بالمياه الآمنة العذبة؟.. وهل هناك ولو بصيص من الأمل لإرواء ظمأ أكبر ولاية زراعية في السودان؟.. (أصداء سودانية) تجيب على هذه الأسئلة والتساؤلات وغيرها عبر هذا التحقيق الإستقصائي
عطش .. عطش:


القضارف أكثر الولايات السودانية التي تعاني من أزمة مياه مزمنة، لا تنافسها في العطش سوى مدينة بورتسودان عاصمة ولاية البحر الأحمر.. وحسب آخر إحصاء سكاني وتقديرات عام 2006 يبلغ عدد سكان القضارف (336,522) نسمة، بينما إحصاء عام 2025 أشار ان عدد السكان حوالى (354,927)، والبعض يشير ان سكان مدينة القضارف فقط دون قراها وصل إلى (340,000) نسمة، بينما اشارت تقديرات أخرى ان العدد وصل إلى (500,000) نسمة داخل المدينة فقط، لكن لا يوجد إحصاء رسمي للعام الحالي 2026، كل هذا العدد الكبير من سكان مدينة القضارف يعانون من العطش المزمن.
حجم معاناة العطش بالقضارف كبير بل مأساوي بحق وحقيقة، حيث وصل سعر برميل المياه الواحد إلى (780 ــ 120) جنيه، وسعر التانكر سعة (6) ألف جالون في حدود (70,000 ــ 120,000) جنيه، هذه الاسعار تتصاعد بوتيرة سريعة وكبيرة في فصل الصيف.. علما ان مستشفى القضارف وحدها تستهلك (240 ــ 260) برميل يوميا معظمها تذهب لعمليات غسيل الكلى، وأكثر الأحياء تاثرا بالعطش: (ديم النور ــ الميدان) وعشرات القرى بمحلية وسط القضارف.. إلا أن المعاناة الأكبر والقاسية يعاني منها مرضى الفشل الكلوي الذين يخضعون للغسيل بمستشفى القضارف التعليمي، حيث كثيرا ما تتوقف عمليات الغسيل بسبب نقص المياه النظيفة الضرورية لعمليات غسيل الكلى، وبعض الخيرين ــ جزاهم الله خيرا ــ يتبرعون بتناكر المياه بعد توقف دعم الزكاة.
مصادر المياه:
ولكن كيف ومن اين يحصل سكان القضارف على المياه الصالحة للشرب؟.. هناك 4 مصادر أساسية منها يتحصل المواطنين على المياه، هي:
ــ المصادر التقليدية لمياه الشربن وتتمثل في ألآبار السطحية، والخزانات الترابية لتجميع مياه الامطار، المعروفة باسم (الحفائر.. وتوجد بولاية القضارف 6 حفائر جديدة، بجانب 15 قديمة.. وتتركز الحفائر الكبيرة بمناطق: (ديم النور ــ الميدان ــ الشواك ــ وسط القضارف ــ ريفي وسط القضارف).
ــ الآبار الجوفية: وهي آبار إرتوازية تم حفرها يدويا، وتوجد ببعض الأحياء والقرى لكن ملوحتها عالية في بعض المناطق، بجانب ان تشغيلها يحتاج للجازولين وهو غالي السعر دوما خاصة بعد الحرب.
ــ سد الشواك: وهو المصدر الرئيسي للمياه لمدينة القضارف، يقع بمدينة الشواكن ويتبع لمحلية وسط القضارف، يبعد حوالة 25 كيلو من مدينة القضارف.. وكان خط مياه الشواك في السابق مشترك مع مدينة القضارف، لكن بعد فصل إمداد مياه الشواك عن مدينة القضارف إرتفع الإمداد المائي لخزان الجيش بالقضارف إلى 12 الف متر مكعب في اليوم، والأن الشواك لديها إمداد مائي منفصل لكن سعته محدودة لا تكفي إلا لجزء يسير من حوجة المدينة المتمددة،كما انه يتاثر بالطمي، وغرق الطلمبات كما حدث في فبراير 2026 حيث غرقت 3 طلمبات ضخ بسبب فتح أبواب خزان ستيت بدون تنسيق مع محطة الشواك.. بجانب سد السبعات والذي يغذي أجزاء كبيرة من المدينة وبعض القرى المحيطة بها.. وما يجسد مأساة العطش بالقضارف التصريح الذي ادلى به والي الولاية بقوله: (ازمة العطش في القضارف وقراها، هي الهم الأكبر لحكومة الولاي، لأن المواطن اصبح يدفع دم قلبه في مياه غير مضمونة).
ــ المصدر الرابع لمياه الشرب بمدينة القضارف هو التناكر التي تنتشر بكثرة هناك، وسعر مياهها مكلف، حيث ان البرميل الواحد من التانكر يصل سعره على 89 جنيه، ويعاب على مياه التناكر ان معظمها من مصادر غير آمنة.
كل مصادر المياه الأربعة هذه فشلت في غرواء ظمأ مدينة القضارف، ولذلك ينتظر سكانها فصل الخريف الغزير بالقضارف والذي يمتد إلى (3 ــ 4) شهور في السنة، حيث يقومون بوضع البراميل أسفل اسقف المنازل الزنكية لتعبئتها بمياه الامطار.. وما زاد الامر سواءا دخول اعداد مهولة من النازحين إليها من الخرطوم وود مدني، بجانب غلاء الجازولين والذي تسبب في توقف الطلمبات، لذلك أطلق عدد من المسؤولين في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري عليها (أزمة عطش مزمنة).
كما أشار بعض المتحدثين في (منتدى أزمة مياه القضارف)، الذي غنعقد في 17 ابريل 2026، لغياب الشفافية من الحكومة مما أدى لتعثر المشاريع الخاصة بحب مشكلة مياه القضارف، بجانب العبء المالي الواقع على المواطنين بشراء المياه بأسعار مرتفعة.. وآمن المنتدى على ضرورة الحل الجذري للمشكلة بغستكمال خط (ستيت ــ القضارف)، والذي يمثل الحل الدائم.. كما لخص أحد المتحدثين في الندوة مشكلة المياه بمدينة القضارف بقوله: (القضارف ما عندها ازمة مويه، بل أزمة هيكيلية عمرها 40 سنة).