آخر الأخبار

الحوار السوداني-السوداني.. لا لإقصاء الوطنيين ولا لتسوية تُكافئ التمرد

بقلم: د. البشير الحسن أبونخل

 

في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، لا تكون قيمة الحوار في عدد المشاركين فيه، ولا في حجم الضجيج السياسي المصاحب له، وإنما في قدرته على الإجابة عن سؤال جوهري: إلى أين نريد أن نذهب ببلادنا؟

 

 

 

ومن هذه الزاوية، فإن الحوار السوداني-السوداني المزمع عقده يمكن أن يمثل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الوطني، وإعادة بناء الحياة السياسية على أسس جديدة، شريطة ألا يتحول إلى منصة لإعادة إنتاج الاستقطاب، أو إلى وسيلة لإقصاء كل من يختلف في الرأي، أو في المقابل إلى بوابة تمنح المليشيا وحلفاءها مكاسب سياسية لا يستطيعون تحقيقها في الميدان.

 

 

 

المعادلة الصحيحة ليست صعبة، وإن كانت تحتاج إلى شجاعة سياسية: لا تسوية تمنح التمرد شرعية، ولا إقصاء يحرم الوطن من أبنائه.

 

 

ثوابت لا ينبغي أن تكون محل مساومة

 

 

يحتاج الحوار، قبل بدايته، إلى تحديد مجموعة من الثوابت التي لا تخضع للمساومة السياسية.وفي مقدمة هذه الثوابت: وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، واحتكار الدولة للسلاح، ورفض إنشاء الجيوش الموازية، ودعم مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، ورفض الاستعانة بالمليشيات أو القوى الأجنبية لتغيير الحكم، والاحتكام إلى الوسائل السياسية السلمية في إدارة الخلاف.

 

 

 

وهذه ليست شروطاً لإقصاء أحد، وإنما هي قواعد اللعبة الوطنية نفسها. فلا يمكن بناء دولة مستقرة إذا ظل السلاح وسيلة للوصول إلى السلطة، ولا يمكن تأسيس ديمقراطية حقيقية بينما تستطيع جماعة مسلحة أن تفرض إرادتها على الدولة والمجتمع.ومن هنا، فإن الاعتراف بحق الدولة في الدفاع عن نفسها وسيادتها، وما اصطلح عليه بـ”معركة الكرامة”، ينبغي أن يُفهم في هذا السياق باعتباره دفاعاً عن الدولة ومؤسساتها ووحدتها، لا باعتباره تفويضاً مفتوحاً لتعليق السياسة أو إلغاء التعدد.لكن الثوابت الوطنية لا تعني احتكار الوطنية. وهنا تقع المسألة الأكثر حساسية.
إذا كان الحوار يريد بالفعل إعادة إحياء الحياة السياسية، فلا بد أن يبتعد عن فكرة أن الوطنية شهادة تمنحها جهة سياسية لمن تشاء وتحجبها عمن تشاء. فالسودان أكبر من أي حزب، وأكبر من الحكومة، وأكبر من القوات المسلحة، وأكبر كذلك من القوى المدنية والسياسية مجتمعة.

قد يختلف سوداني مع الحكومة، وقد ينتقد قيادة القوات المسلحة، وقد يرفض سياسات بعينها، وقد يخطئ في تقديراته السياسية، وكل ذلك لا يجعله تلقائياً عدواً للدولة.

 

المعيار يجب أن يكون أكثر دقة وعدالة:

 

هل وقف مع وحدة السودان أم ضدها؟ هل دعم الدولة أم سعى إلى إسقاطها بالسلاح؟ هل تورط في جريمة أم مارس حقه السياسي؟ هل دعم التمرد عسكرياً وسياسياً بصورة مباشرة أم كان له رأي سياسي مختلف؟
هذه الأسئلة هي التي يجب أن تحدد المسؤولية، وليس مجرد الانتماء الحزبي أو السياسي.

 

لا للتسوية مع المليشيا.. نعم لاستيعاب السودانيين

 

يمكن أن يكون الحوار حازماً في رفض أي تسوية سياسية تمنح المليشيا شرعية لم تحصل عليها عبر فوهة البندوقية والمؤسسات الدستورية أو الإرادة الشعبية.لكن في الوقت نفسه يجب ألا يُخلط بين المليشيا كقوة مسلحة متمردة وبين السودانيين الذين ينتمون إلى خلفيات سياسية مختلفة.
فليس من الحكمة أن تتحول الحرب إلى حرب مفتوحة على كل من كانت له صلة سياسية بتيار أو تنظيم أو تحالف.المطلوب هو التفريق بين المسؤوليات: من ارتكب جريمة يُحاسب، من تورط في انتهاكات يُحاسب. من دعم التمرد عسكرياً أو ساهم في تقويض الدولة يتحمل مسؤوليته. ومن أخطأ سياسياً دون أن يتورط في الجريمة أو العنف، فله أن يعود إلى الحياة السياسية من خلال بوابة الاعتراف بالخطأ واحترام الدولة والقانون.
وهذا هو معنى المسؤولية الفردية التي يمكن أن تجعل الحوار أكثر عدالة وأوسع قبولاً.

 

لماذا الصفة الفردية أفضل من تمثيل الكيانات؟

 

 

 

إن اشتراط المشاركة بصفة شخصية، وليس باعتبار الشخص ممثلاً لتنظيم أو تحالف سياسي، يمكن أن يكون خطوة ذكية إذا أُحسن تطبيقها. فالمطلوب ألا تتحول قاعة الحوار إلى سوق للمحاصصات، حيث يأتي كل تنظيم بقائمته من المطالب والمقاعد والنسب.السودان يحتاج إلى عقول وأفكار وشخصيات وطنية، لا إلى إعادة إنتاج صراعات الأحزاب داخل قاعة الحوار.لكن هذه الآلية يجب ألا تستخدم أيضاً لانتقاء أشخاص معروفين مسبقاً بمواقفهم المؤيدة للسلطة فقط.فإذا كان الحوار وطنياً، فعليه أن يستوعب التنوع السياسي والفكري والمجتمعي، مع وضع معايير وطنية وقانونية واضحة للمشاركة.

 

 

 

الحوار برئاسة البرهان.. من القوة إلى الضمان

 

 

 

رئاسة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان للحوار يمكن أن تمنحه ثقلاً سياسياً، خصوصاً في ظل الظروف التي تمر بها البلاد. لكن هذه الرئاسة تفرض مسؤولية تاريخية أكبر.فالنجاح لن يكون في أن يظهر البرهان باعتباره رئيس حوار يضم مؤيديه، وإنما في أن يظهر باعتباره راعياً لمسار وطني يتسع للسودانيين المختلفين تحت سقف الدولة.

وهنا ينبغي أن تكون هناك ضمانات واضحة:معايير معلنة للمشاركة لجنة تحضيرية مهنية ومتوازنة. أجندة معلنة قبل بدء الحوار. عدم فرض مخرجات مسبقة على المشاركين.تسجيل وتوثيق المداولات والمخرجات.وضع جدول زمني لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.ةإنشاء آلية مستقلة لمتابعة التنفيذ.

وبذلك ينتقل الحوار من كونه فعالية سياسية إلى عملية وطنية مؤسسية.

 

 

الخطر الحقيقي: أن يتحول الحوار إلى اصطفاف جديد

 

 

 

 

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يبدأ الحوار بهدف تفكيك الاستقطاب، ثم ينتهي بإنتاج استقطاب جديد.إذا دخل المشاركون القاعة وهم يحملون تصنيفات جاهزة من نوع “وطني” و”غير وطني”، فلن نكون أمام حوار حقيقي، وإنما أمام إعادة ترتيب للمعسكرات.المطلوب هو أن تكون هناك ثوابت وطنية واضحة، ثم تُفتح المساحة كاملة للنقاش حول ما عداها.الثوابت تحمي الدولة، والمرونة السياسية تحمي الحوار. وهذه هي المعادلة التي ينبغي ألا تضيع.

 

 

 

ماذا نريد من الحوار؟

 

 

 

إذا كان الهدف هو إعادة إحياء الحياة السياسية، فيجب ألا يكون ذلك مجرد عودة للأحزاب القديمة بالوجوه نفسها والخطاب نفسه.الحرب كشفت أن النظام السياسي السوداني في حاجة إلى مراجعة عميقة.

نحتاج إلى معالجة قضية العلاقة بين المدني والعسكري، وتنظيم عملية الانتقال السياسي، وتطوير النظام الانتخابي، وإعادة بناء المؤسسات، وتحقيق استقلال القضاء، وتعزيز الحكم المحلي، وضمان عدالة توزيع الموارد، ومعالجة جذور التهميش، وإصلاح الخدمة المدنية، وبناء اقتصاد منتج.
والأهم من ذلك كله: منع إنتاج الحرب مرة أخرى. فلا قيمة لأي اتفاق سياسي إذا كان يحمل داخله بذور الحرب القادمة.

 

 

الاقتصاد يجب أن يكون في قلب الحوار

 

 

 

الحوار الذي لا يضع الاقتصاد في مقدمة أولوياته لن يكون حواراً كاملاً. فالمواطن لا يعيش على البيانات السياسية. هو يريد راتباً يحافظ على قيمته، وسعراً معقولاً للسلع، ومستشفى يعمل، ومدرسة مفتوحة، ومياه وكهرباء، وطريقاً آمناً، وفرصة عمل، وسوقاً نشطة، ودولة تحمي حقوقه وممتلكاته.

ولهذا ينبغي أن يتبنى الحوار برنامجاً وطنياً للإنقاذ الاقتصادي يقوم على:

زيادة الإنتاج، دعم الزراعة، إعادة تشغيل المصانع، تطوير الثروة الحيوانية، تنظيم التعدين، مكافحة تهريب الذهب والموارد، إصلاح الجهاز المصرفي، جذب الاستثمار، دعم الصادرات، تحسين الإيرادات العامة، ضبط الإنفاق، وإعادة إعمار البنية التحتية.

فالسلم السياسي لا يستمر طويلاً إذا ظل المواطن جائعاً، والاقتصاد المنهار يمكن أن يعيد إنتاج الصراع حتى بعد توقف إطلاق النار.

 

 

السلام ليس فقط غياب الرصاص

 

 

يجب أن يوسع الحوار مفهوم السلام.فالسلام ليس مجرد اتفاق بين النخب.السلام يعني أن يشعر المواطن في كردفان ودارفور والجزيرة والشرق والشمال والوسط بأن الدولة موجودة، وأن القانون يحميه، وأن الخدمات تصل إليه، وأن فرص التنمية ليست حكراً على منطقة دون أخرى.السلام الحقيقي هو عدالة في الأمن، وعدالة في التنمية، وعدالة في الفرص، وعدالة في المواطنة.ولهذا ينبغي أن يكون ملف التنمية المتوازنة جزءاً أصيلاً من الحوار، وليس ملحقاً به.

 

 

العدالة والمصالحة.. لا انتقام ولا إفلات من العقاب

 

 

لا يمكن أن تستقر البلاد دون معالجة آثار الحرب. لكن المصالحة لا تعني إسقاط حقوق الضحايا، كما أن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للانتقام السياسي.المعادلة المطلوبة هي: محاسبة المسؤول عن الجريمة، وحماية البريء، والعفو عمن يستحق العفو، وإتاحة طريق واضح للتوبة والعودة إلى المجتمع لمن لم تتعلق به حقوق جنائية تمنع ذلك.وإذا نجح السودان في بناء هذه المعادلة، فإنه يستطيع أن يغلق صفحات كثيرة من الماضي دون أن يدفن الحقيقة أو يظلم الضحايا.

 

 

من الحوار إلى العقد الوطني

 

 

 

أفضل ما يمكن أن يخرج به الحوار ليس قائمة مناصب ولا حكومة جديدة، وإنما عقد وطني جديد. عقد يتفق السودانيون من خلاله على أن:

السودان دولة واحدة ذات سيادة. لا جيش خارج مؤسسات الدولة. لا سلاح للعمل السياسي.

لا مكان للانقلابات العسكرية أو التمرد المسلح كوسيلة للوصول إلى السلطة.

التداول السلمي للسلطة هو الطريق الوحيد. المواطنة أساس الحقوق والواجبات.

التنمية حق لجميع السودانيين. موارد الدولة ملك للشعب. القوات المسلحة مؤسسة وطنية قومية. الخلاف السياسي لا يبرر الاستعانة بالأجنبي. العدالة لا تقوم على الانتقام الجماعي.

الانتخابات الحرة والنزيهة هي الطريق إلى الشرعية السياسية.

 

إذا اتفق السودانيون على هذه القواعد، فإن الاختلاف بعد ذلك حول الحكومة أو الحزب أو البرنامج الاقتصادي يصبح اختلافاً طبيعياً.

 

 

النجاح يجب أن تكون له أرقام

 

 

حتى لا يتحول الحوار إلى مهرجان سياسي، يجب أن تكون له مؤشرات نجاح قابلة للقياس.نريد أن نعرف بعد عام مثلاً: هل انخفضت معدلات العنف؟ هل عاد النازحون؟ هل تحسن سعر الصرف؟ هل انخفض التضخم؟ كم مدرسة أعيد تشغيلها؟ كم مستشفى عاد للعمل؟ كم مشروعاً إنتاجياً أعيد تشغيله؟ كم فرصة عمل تم توفيرها؟ كم طريقاً ومرفقاً أعيد تأهيله؟

هل زادت الصادرات؟ هل تحسن إنتاج الذهب والزراعة والثروة الحيوانية؟ هل تحسنت الخدمات؟

إذا كانت الإجابة نعم، فالحوار يتحول إلى إنجاز.

أما إذا كانت كل نتائجه بيانات سياسية وصوراً تذكارية ومناصب جديدة، فلن يكون قد حقق شيئاً.

 

السودان يحتاج إلى بداية جديدة

 

السودان لا يحتاج اليوم إلى انتصار سياسي لمعسكر على آخر بقدر ما يحتاج إلى انتصار للدولة والمواطن. ولهذا فإن الحوار السوداني-السوداني ينبغي أن يقوم على معادلة واضحة:
لا شرعنة للتمرد، لا إقصاء للوطنيين، لا حصانة لمن ارتكب الجرائم، لا عقاب جماعي، لا محاصصة حزبية، لا وصاية خارجية، ولا عودة إلى إنتاج أسباب الحرب.

إن دعم القوات المسلحة والدولة في مواجهة التمرد لا يتناقض مع الدعوة إلى حياة سياسية شورية (ديمقراطية)، كما أن الدعوة إلى الحوار والانفتاح السياسي لا تعني بأي حال التنازل عن سيادة الدولة أو مكافأة من حمل السلاح ضدها.بل إن قوة الدولة الحقيقية تظهر عندما تستطيع أن تنتصر في الدفاع عن نفسها، ثم تنتصر في بناء السلام، ثم تنتصر في إقامة العدل، ثم تنتصر في الاقتصاد والتنمية والخدمات.وهنا تحديداً يجب أن يكون الرهان.فالحوار الذي ينجح في إنهاء الاستقطاب، وبناء عقد وطني جديد، وإعادة تأسيس الحياة السياسية، وتثبيت السلام، وتحريك الاقتصاد، وإعادة الإعمار، وتحسين الخدمات، وتهيئة الطريق أمام انتخابات حرة ونزيهة، لن يكون مجرد حوار سياسي.سيكون بداية مرحلة سودانية جديدة.أما الحوار الذي يستبدل إقصاءً بإقصاء، واصطفافاً باصطفاف، يعيد توزيع السلطة بين النخب دون أن يغير شيئاً في حياة المواطن، فلن يكون سوى فصل جديد من الأزمة.والسودان بعد هذه الحرب يستحق أكثر من ذلك بكثير.