آخر الأخبار

أصداءٌ من الواقع… ومن أجل مستقبلٍ واعد

د. مزمل سليمان حمد

 

*لم يعد السودان اليوم أمام أزمة سياسية عابرة يمكن تجاوزها بتسوية مؤقتة أو اتفاق بين عدد محدود من القوى، وإنما يقف أمام لحظة تاريخية فارقة، يتوقف عليها شكل الدولة و المجتمع ومصير الأجيال القادمة فالحرب التي أرهقت البلاد لم تترك بيتاً سودانياً إلا ولامسته آثارها، ولم تقف خسائرها عند الأرواح والممتلكات، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والإنتاج، ومؤسسات الدولة، والثقة بين مكونات المجتمع. ولذلك فإن الحديث عن المستقبل لا يمكن أن يبدأ من سؤال: من ينتصر على من؟ وإنما من سؤال أكثر عمقاً: كيف ينتصر السودان؟.

*ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى حوار سوداني سوداني شامل، يُدار داخل الوطن، وتكون إرادته سودانية، وأجندته سودانية، وغاياته سودانية، بعيداً عن الوصاية والإملاءات الخارجية، وبعيداً كذلك عن عقلية الإقصاء التي ظلت واحدة من أكبر أزمات الممارسة السياسية في السودان.

*إن إعلان رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن الترتيب لإطلاق حوار سياسي شامل، بهدف التوافق على أسس البناء الوطني والمبادئ الحاكمة التي توحد السودان، ووضع حد لأزماته المتكررة، واستكمال الانتقال المدني الديمقراطي، يمثل فرصة ينبغي التعامل معها بجدية ومسؤولية.. لكن قيمة أي دعوة للحوار لا تُقاس بجمال عباراتها، وإنما بمدى قدرتها على تحويلها إلى ممارسة سياسية حقيقية.. فالحوار الذي يبدأ بقائمة مسبقة للمستبعدين، أو تُحدد نتائجه قبل أن تبدأ جلساته، أو يتحول إلى منصة لتكريس نفوذ طرف على حساب آخر، لن يكون سوى إعادة إنتاج للأزمة نفسها بثوب جديد.

*السودان يحتاج إلى حوار يتسع للاختلاف، لا إلى حوار يبحث عن التطابق.. يحتاج إلى طاولة يجلس حولها المختلفون، لا إلى غرفة يجتمع فيها المتفقون.. ويحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن الوطن أكبر من الأحزاب، وأكبر من التحالفات، وأكبر من المؤسسات العسكرية والمدنية، وأكبر من أي شخصية أو جماعة مهما كان حجم حضورها.. ومن هنا فإن المشاركة يجب أن تكون هي الأصل، والإقصاء هو الاستثناء، على أن يستند أي استبعاد إلى معيار قانوني واضح، لا إلى الخصومة السياسية.

*فالقول باستبعاد من (تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوداني) يفرض مسؤولية أخلاقية وقانونية في آن واحد: من ارتكب جريمة يجب أن يخضع للعدالة، لكن الاتهام السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى حكم قضائي، كما أن الحوار السياسي لا ينبغي أن يصبح طريقاً للإفلات من العقاب.. هذه معادلة لا بد من تثبيتها منذ البداية لا إفلات من العقاب، ولا إقصاء سياسي جماعي.. فالسودان لا يمكن أن يبني ديمقراطية بعقلية الانتقام، كما لا يستطيع أن يبني سلاماً مستقراً بعقلية الثأر السياسي.

*وفي الوقت نفسه، فإن الحوار السوداني السوداني لا يعني إغلاق أبواب السودان أمام المجتمع الدولي أو محيطه الإقليمي.. فالسودان يحتاج إلى أصدقاء وشركاء، ويحتاج إلى دعم إنساني واقتصادي وسياسي، ويحتاج إلى مساهمة دولية في إعادة الإعمار.. لكن هناك فرقاً كبيراً بين المساعدة والوصاية، وبين الوساطة وصناعة القرار، وبين الدعم والتدخل.. السودان يمكن أن يستفيد من العالم، لكنه لا ينبغي أن يسلّم العالم مفاتيح مستقبله.

*ولهذا فإن ملكية العملية السياسية يجب أن تكون سودانية خالصة، كما أن معيار التعامل مع التدخلات الخارجية يجب أن يكون واحداً لا يتغير وفقاً لموقع الدولة أو قربها من هذا الطرف أو ذاك.. لا يجوز أن نرفض التدخل الخارجي عندما يخدم خصومنا، ونرحب به عندما يخدم مصالحنا.. السيادة لا تتجزأ والوطنية لا تُقاس بالمواقف الانتقائية.. وهنا أيضاً ينبغي أن نتجاوز وهم أن الحوار السياسي شأن نخبوي.. فأصحاب الوجعة الذين تحدثت عنهم الدعوة للحوار ليسوا مجرد عنوان جميل، وإنما هم جوهر العملية السياسية.

*إن النازح الذي فقد بيته، واللاجئ الذي ترك وطنه، والأم التي فقدت ابنها، والمزارع الذي فقد أرضه، والعامل الذي فقد مصدر رزقه، والطبيب الذي تعطلت مستشفاه، والمعلم الذي توقفت مدرسته، والشاب الذي وجد مستقبله معلقاً بين الحرب والبطالة، كل هؤلاء يجب أن يكون لهم صوت في صناعة المستقبل.

وللحديث بقية بإذن الله تعالى