آخر الأخبار

الفضائيات الولائية .. البداية من (الشمالية)

شوف عين

معاويةمحمد علي

 

*المفترض في الفضائيات الولائية أن تكون النبض الحي والنافذة الأقرب لهموم مواطن الولاية، والمنصة التي تعكس تنوع الثقافات، وتناقش قضايا التنمية والتعليم والصحة، وتحتفي برموز المجتمع الحقيقيين لا المزيفين. ولزاما على برامجها أن تخرج من قوالب الاستوديوهات التقليدية (المعسمة) إلى رحابة الميدان، وأن يتميز مذيعوها بالوعي، والجرأة، والحضور، وسلامة اللسان التي تحترم عقل المشاهد وأذنه.

*لكن، للأسف، تحولت معظم هذه الشاشات إلى شيء من السطحية، تبث الرتابة وتجتر الملل.. ومن اليوم، نعلن عن تدشين زاوية رقابية ومتابعة دورية مستمرة لرصد أداء الفضائيات الولائية في السودان، ونبدأ رحلة الرصد من (قناة الشمالية)، ورغم ما تبذله إدارة القناة من جهود مقدرة وسعي حثيث للتطوير وتحديث البنى التحتية، ورصد الميزانيات وتوفير المعدات، إلا أن كل تلك الجهود الإدارية المضنية تضيع للأسف هباء منثورا، تبتلعها العشوائية البرامجية وسوء التوظيف الفني.

*مثلا وقفة متأملة عند فكرة برنامج يحمل عنوان (الحوش الكبير)، الاسم وحده يفيض بالدفء، ويحمل رمزية استثنائية تعبق بالتاريخ، والتداخل الاجتماعي، والجود، والألفة التي تجمع أهل السودان تحت سقف واحد.

* (الحوش) في وجداننا ليس مجرد (حيطان)، بل هو فضاء واسع تناقش فيه الهموم، وتحكى فيه الحكايات، وتنبض فيه روح الجماعة، لكن انظر بحسرة إلى ما ينفذ داخل الاستوديو، فبدلا من أن نرى برنامجا نابضا بالحياة ينقل هذا الدفء والاتساع، يتحول (الحوش الكبير) إلى سجن ضيق من ديكورات فقيرة وباهتة، وحوارات تقليدية مكررة لا علاقة لها بروح الحوش ولا برحابة الفضاء الشعبي، يحشر الضيوف في زوايا مظلمة، وتقتل الروح الحية للبرنامج على أيدي معدين لا يملكون سوى تكرار القوالب الجاهزة والمستهلكة.

*ولا يبتعد برنامج (زول من بلدنا) عن هذا المنهج ، فالفكرة في جوهرها مذهلة، وتستحق التصفيق، إذ تفترض تسليط الضوء على  الشخصيات الوطنية والتاريخية والثقافية التي أثرت الولاية والسودان عامة ببصمات خالدة، لكن وبقدرة قادر، تحولت هذه الفكرة العبقرية إلى مجرد (جلسة علاقات عامة) ومجاملات سمجة، بدلا من استنطاق التجارب العميقة وفتح ملفات الإنجاز الحقيقي، تختار الشخصيات لمجرد المجاملة الاجتماعية وتبادل الابتسامات الصفراء وتوزيع ألقاب لا قيمة لها، بعيدا عن أي عمق بحثي أو توثيقي حقيقي.. لقد أفرغوا البرنامج من محتواه، وشوهوا الفكرة الجميلة.

*وأما الطامة الكبرى التي تدمي القلوب وتصيب المشاهد بالغثيان، فهي أداء بعض المذيعات والمذيعين، فمذيعة لا تفرق بين ثم الظرفية (بالفتحة) وثم العطف (بالضمة)، وهي تجلس أمام الكاميرا وكأنها تلميذة في (حصة تسميع) لمادة التاريخ في مدرسة أساس، عيون مثبتة في الورقة، وقراءة آلية جافة تخلو تماما من أي نبرة أو روح أو إحساس بالمعنى، والأدهى والأمر هو الصوت الضعيف المبحوح الذي يكاد لا يسمع، وكأنها تحدث نفسها خلف الكواليس.

*ولا تتوقف المهزلة عند حدود الأخطاء النحوية، بل تمتد إلى التخبط الجغرافي والوجداني، فتطل علينا إحداهن لتبارك لمواطني كردفان انتصارات القوات المسلحة، فتقول بكل برود وعنجهية بعيدة عن نبض الشارع (أهالي كردفان الغرة) بدلا عن (أهلنا)، متناسية تماما الفرق الشاسع بين الدفء السوداني الحميم وبين لغة التقديم الميتة.

*وحين تقارن العبارتين، تجد أن قول (أهلنا في كردفان) يقطر قربا، وينبض بالانتماء الحقيقي ويذيب الجليد بين الشاشة ووجدان المشاهد، بينما ترديد عبارة جافة مثل (أهالي) يبدو كأنه صادر عن موظف رسمي يقرأ برقية تعزية أو تهنئة عبر إذاعة أجنبية، لا إعلامية تخاطب أهلها وعزوتها في ساعة نصر وفخر وعبر برنامج يحمل اسم(الحوش الكبير).

*يا سادة، الفضائيات الولائية ليست استراحات للموظفين، والمذيع ليس قارئ ورق يمارس الفقر اللغوي والجمود العاطفي أمام المشاهدين.

*وفي خاتمة المطاف، نصيحة خالصة لإدارة القناة التي ندرك اجتهادها وسعيها الصادق لنقل الشاشة إلى رحاب التنافس، إن تحديث الأجهزة والمباني وبناء الاستوديوهات مجرد قشور إن لم يسبقه تحديث حقيقي للإنسان، فاستثمروا في التدريب والتأهيل اللغوي والمهني لطواقمكم، واجعلوهم يدركون أن الكاميرا عقل ووجدان ولسان ناطق، لا مجرد آلة تصوير صامتة تقرأ الأوراق.. وللحديث بقية مع ملاحظات أخرى.