
الحوار السوداني: من إدارة الأزمة إلى تأسيس الدولة
د. البشير الحسن أبونخل
لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان مجرد انفجار لخلاف سياسي أو عسكري عابر، كما أن إنهاءها لا يمكن أن يكون خاتمة القصة. فالأزمة التي دفعت البلاد إلى الحرب أعمق من أن تُعالج بتسوية سياسية مؤقتة، وأكبر من أن تختزل في تشكيل حكومة أو توزيع مقاعد السلطة. إنها أزمة تراكمت عبر عقود، حتى أصبح السودان في حاجة إلى مراجعة شاملة تعيد تعريف الدولة، وتحدد مصالحها العليا، وتعيد بناء العلاقة بين مكوناتها، وتسترد إرادتها الوطنية.
ومن هنا فإن الحديث عن الحوار السوداني ينبغي ألا يبدأ من سؤال: من يشارك؟ ومن يحكم؟ ومن يحصل على نصيبه من السلطة؟ وإنما من السؤال الأكثر جوهرية: أي سودان نريد أن نبني بعد الحرب؟
ذلك أن تكرار نماذج الحوارات السابقة، التي كثيراً ما انتهت إلى ترتيبات سياسية مؤقتة وتسويات بين النخب، لن يقود إلى نتيجة مختلفة. فالسلام الذي لا يعالج جذور الأزمة لا يصنع استقراراً، والانتقال الذي لا يؤسس لدولة قوية سرعان ما يتحول إلى مرحلة جديدة من الصراع.
وفي هذا السياق تكتسب الرؤية التي طرحها الأستاذ الدكتور محمد حسين أبوصالح حول ضرورة الانتقال من الحوار السياسي التقليدي إلى حوار استراتيجي شامل أهمية خاصة؛ وهي رؤية تقوم على إنتاج الفكرة الوطنية، وصياغة المصالح الوطنية العليا، والاستفادة من المعرفة والخبرات السودانية، وجعل مرحلة ما بعد الحرب مرحلة تأسيس لا مجرد انتقال للسلطة. ويأتي هذا المقال مستلهماً هذه الرؤية، مع إعادة قراءتها وتطويرها من زاوية تحليلية مستقلة تتصل بمتطلبات المرحلة السودانية الراهنة.
وإذا كانت هذه الرؤية تفتح باباً مهماً للنقاش، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: كيف يمكن تحويل فكرة الحوار الاستراتيجي إلى مشروع وطني عملي يعيد تأسيس الدولة السودانية، ويمنع إعادة إنتاج أسباب الحرب؟
من هنا يبدأ النقاش الحقيقي.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى حوار جديد بالمعنى التقليدي الذي عرفته الساحة السياسية طوال العقود الماضية، وإنما يحتاج إلى حوار وطني تأسيسي يختلف في فلسفته وأهدافه وأدواته عن كل ما سبقه. فالمشكلة السودانية لم تعد مجرد خلاف حول حكومة أو دستور أو توزيع للسلطة، وإنما أصبحت أزمة دولة، وأزمة مشروع وطني، وأزمة إرادة سياسية واجتماعية ظل غيابها يفتح الباب أمام تعدد مراكز القرار وتضارب المصالح وتنازع الولاءات.
لقد أثبتت التجربة أن الحوارات التي تُدار تحت ضغط الأزمة، أو تُختزل في ترتيبات انتقالية وتقاسم للمواقع، لا تستطيع أن تنتج سلاماً مستداماً ولا دولة مستقرة. فالحوار الذي يبدأ بالسؤال: من يحكم؟ قبل أن يجيب عن السؤال الأهم: أي دولة نريد؟، سرعان ما يتحول إلى مساومة على السلطة، ويعيد إنتاج أسباب الأزمة بدلاً من معالجتها.
ومن هنا فإن الحوار السوداني المطلوب ينبغي أن ينطلق من تأسيس الفكرة الوطنية الجامعة؛ تلك الفكرة التي تتجاوز الحكومة والحزب والقبيلة والجهة، وتضع السودان أولاً، وتعبّر عن تطلعات شعبه ووجدانه ومصالحه العليا، وتحدد بصورة واضحة شكل الدولة ووظيفتها، ومصالحها الوطنية، وأمنها القومي، ونظامها السياسي، وفلسفة الحكم فيها، ومنظومة القيم التي ينبغي أن تحكم علاقتها بمواطنيها وبمحيطها الإقليمي والدولي.
إن السودان لا يفتقر إلى الأفكار ولا إلى الكفاءات، وإنما يفتقر إلى الآلية التي تجمع هذه الثروة الوطنية في إطار واحد، وتحولها من اجتهادات متفرقة إلى رؤية استراتيجية للدولة. ولذلك فإن الحوار الحقيقي يجب ألا يكون حكراً على السياسيين، بل ينبغي أن يفتح أبوابه للعلماء والخبراء والمفكرين والقانونيين والاقتصاديين وأهل الإدارة والمجتمع الأهلي والشباب والمرأة والمبدعين، وكل أصحاب الخبرة الذين يمكن أن يسهموا في بناء المستقبل.
كما أن الحوار لا ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة توزيع السلطة بين النخب، وإنما وسيلة لاستعادة الإرادة الشعبية. فالشعب السوداني هو صاحب الحق الأصيل في تحديد شكل الدولة التي يريدها، ومستقبلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولا يجوز أن تتحول إرادته إلى مجرد تفويض مؤقت للنخب تتصرف باسمه ثم تعود إلى إنتاج ذات الأزمات.
ولهذا فإن المرحلة التي تعقب الحرب ينبغي أن تكون مرحلة تأسيس للدولة، لا مجرد مرحلة انتقال للسلطة.
فالانتقال من وضع الحرب إلى وضع سياسي جديد دون معالجة جذور الأزمة سيعني تأجيل الصراع وليس إنهاءه. أما التأسيس الحقيقي فيقتضي بناء مؤسسات الدولة على قواعد جديدة، وإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم، وإرساء حكم القانون، وإعادة بناء الاقتصاد، ومعالجة قضايا العدالة والمواطنة، وتحصين القرار الوطني من التدخلات الخارجية، وإعادة بناء مؤسسات الأمن والدفاع على أسس مهنية وقومية.
وفي مقدمة هذه القضايا تأتي مسألة وحدة الإرادة الوطنية ووحدة السلاح. فلا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة ومراكز القوة. والدولة الحديثة لا يمكن أن تستقيم إلا بوجود جيش وطني مهني واحد، ومؤسسات أمنية تعمل وفق القانون والدستور، وتخضع للسلطة المدنية التي يحددها النظام الدستوري، وتكون مهمتها حماية الدولة والشعب والسيادة الوطنية، لا الدخول في التنافس السياسي.
إن خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في آثار الحرب، وإنما في البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالسودان، وفي المصالح المتشابكة التي جعلت البلاد طوال تاريخها الحديث ساحة لتنافس قوى متعددة. ولذلك فإن أي حوار وطني لا يضع هذه البيئة الاستراتيجية في حساباته سيظل ناقصاً، مهما كانت نواياه حسنة ومهما بلغ عدد المشاركين فيه.
ومن هنا ينبغي أن يُبنى الحوار على المعرفة لا على الانطباعات، وعلى الدراسات لا على الشعارات، وعلى المصلحة الوطنية لا على الأجندات الخارجية أو الحزبية. كما ينبغي أن تسبقه عملية واسعة لجمع المعلومات، والاستماع إلى المواطنين في مختلف الولايات والمناطق، ومعرفة أولوياتهم وتطلعاتهم ومخاوفهم، بحيث تصبح نتائج الحوار تعبيراً حقيقياً عن المجتمع السوداني، لا انعكاساً لرؤية مجموعة سياسية محدودة.
ولكي يحقق الحوار هذه الغاية، فإنه يحتاج إلى ترتيبات واضحة، من بينها:
أن تكون مرحلة ما بعد الحرب مرحلة تأسيس وطني شامل وليست مجرد إعادة إنتاج للترتيبات السياسية السابقة.
إنشاء منصة وطنية مستقلة للحوار تتولى إدارة المعرفة والمشورة الشعبية والدراسات الاستراتيجية، بعيداً عن الاستقطاب الحزبي والجهوي.
إجراء الحوار داخل السودان، والوصول إلى المواطنين في الولايات والمدن والأرياف، وعدم حصره في العاصمة أو الفنادق وقاعات المؤتمرات.
إشراك الكفاءات والخبراء وأهل المعرفة إلى جانب القوى السياسية والاجتماعية، بحيث يكون معيار المشاركة هو القدرة على الإسهام في بناء الدولة.
اعتماد الشفافية الكاملة أمام الشعب السوداني، حتى لا يتحول الحوار إلى ترتيبات مغلقة تنتج توافقات نخبوية لا تحظى بالتفويض الشعبي.
وضع وثيقة للمصالح الوطنية العليا تحدد الثوابت التي لا ينبغي أن تكون محل مساومة سياسية.
صياغة استراتيجية متكاملة للأمن القومي والسياسة الخارجية والاقتصاد والتنمية وإدارة الموارد والعلاقات بين المركز والأقاليم.
الاتفاق على أسس الدولة الراشدة، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية، والتداول السلمي للسلطة.
إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية على أساس مهني وقومي، بما يضمن وحدة القرار السيادي ووحدة السلاح.
تأسيس عقل استراتيجي للدولة السودانية يمتلك القدرة على قراءة المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، وصناعة القرار على أساس المعرفة والمصلحة الوطنية.
إن السودان أمام فرصة تاريخية، رغم قسوة الحرب وتداعياتها. فاللحظات الكبرى في تاريخ الأمم لا تُقاس فقط بحجم المآسي التي تمر بها، وإنما بقدرتها على تحويل الأزمات إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف.
ولذلك فإن المطلوب ليس أن نعود إلى السودان الذي كان قبل الحرب، لأن ذلك السودان نفسه كان يحمل في داخله أسباب أزمته. المطلوب أن ننتقل إلى سودان جديد في مؤسساته، وفي طريقة إدارة دولته، وفي علاقته بمواطنيه، وفي تعريفه لمصالحه الوطنية.
إن الحوار الذي نحتاجه ليس حواراً لإنهاء خصومة بين النخب، ولا صفقة لتقاسم السلطة، ولا ترتيبات مؤقتة لإدارة مرحلة انتقالية؛ بل هو حوار لإعادة تأسيس العقد الوطني، واستعادة الدولة، وتوحيد الإرادة السودانية، ووضع الأساس الذي يمنع إعادة إنتاج الحرب.
فإذا كان الماضي قد علّمنا أن التسويات المؤقتة لا تصنع دولة، فإن اللحظة الراهنة تفرض علينا أن نتعلم درساً أكثر أهمية: أن السلام الحقيقي يبدأ عندما يتفق السودانيون أولاً على الدولة التي يريدون بناءها، ثم يتفقون بعد ذلك على من يحكمها.
وهنا تحديداً تكمن قيمة الحوار الوطني: أن يكون طريقاً إلى الدولة السودانية الراشدة، لا طريقاً جديداً إلى تقاسم أزمتها.