
حين تصبح القبيلة معياراً للاستدعاء: الصحافة فوق الاصطفاف القبلي
د. البشير الحسن أبونخل
ما أورده الكاتب الصحفي يوسف عبد المنان عن اللقاء الذي جمعه وزميله الصحفي عبدالماجد عبدالحميد بنائب الرئيس السابق عمر البشير، حسبو محمد عبدالرحمن، يفتح الباب أمام قضية تتجاوز تفاصيل اللقاء نفسه، إلى سؤال أكبر يتعلق بعلاقة السياسة بالصحافة، وحدود استخدام الروابط القبلية والاجتماعية في صناعة المواقف السياسية. وترد تفاصيل مماثلة عن اللقاء في منشورات متداولة تنسب الرواية إلى يوسف عبد المنان.
وبحسب الرواية المنشورة، فإن حسبو استدعى الصحفيين يوسف عبد المنان وعبدالماجد عبدالحميد تحديداً إلى منزله، ودار بينهم نقاش سياسي مطول حول قوات الدعم السريع وقياداتها، قبل أن يطلب منهما الوقوف إلى جانب آل دقلو، وهو الطلب الذي لم يجد القبول الذي كان ينتظره، بل واجهه عبدالماجد بموقف مغاير، محذراً من خطورة مشروع الدعم السريع على الدولة السودانية.
وهنا تبدأ القضية الحقيقية:
لماذا هذان الصحفيان تحديداً؟
إذا صح أن اختيار الصحفيين تم بسبب انتمائهما إلى المجموعة الاجتماعية نفسها التي ينتمي إليها حسبو، وإلى المجموعة التي ينحدر منها حميدتي وعبدالرحيم دقلو، في الوقت الذي لم تتم فيه دعوة صحفيين آخرين لا ينتمون إلى هذه الخلفية، فإن المسألة تتجاوز كونها دعوة خاصة أو لقاءً اجتماعياً.
عندها يصبح من المشروع تماماً التساؤل عما إذا كان الانتماء القبلي أو الاجتماعي قد استُخدم باعتباره مدخلاً للتأثير على الموقف الصحفي والسياسي.
وهنا ينبغي التفريق بوضوح: الانتماء إلى قبيلة أو مجموعة اجتماعية ليس عنصرية في حد ذاته؛ فالإنسان لا يختار أصله، والانتماء الاجتماعي جزء طبيعي من تكوين المجتمع السوداني. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الانتماء إلى معيار للانتقاء السياسي والإعلامي، فيُستدعى شخص لأنه «من الجماعة»، ويُفترض مسبقاً أنه أقرب إلى موقف سياسي بعينه بسبب أصله.وهذا هو جوهر الخطر.
فالصحفي لا يمثل قبيلته حين يمسك القلم، ولا يتحدث باسم مجموعته العرقية حين يكتب، وإنما يتحدث باسمه المهني وضميره الوطني.
وإذا كانت السياسة السودانية قد عانت طويلاً من توظيف القبيلة في الصراع على السلطة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينتقل هذا المنطق إلى الصحافة والإعلام، بحيث يصبح الصحفي مطلوباً بسبب أصله الاجتماعي لا بسبب موقفه المهني، ويُخاطَب باعتباره «ابن المجموعة» قبل أن يُخاطَب باعتباره صاحب رأي مستقل.
لكن المفارقة اللافتة في رواية عبد المنان أن الاستدعاء الذي ربما بُني على افتراض وجود أرضية مشتركة لم ينتج الموقف المتوقع.
فعبدالماجد عبدالحميد، وفق الرواية، لم يتعامل مع المسألة بمنطق القرابة أو الانتماء الاجتماعي، وإنما وضع أمام مضيفه تقديراً سياسياً مختلفاً، محذراً من خطر الدعم السريع ومشروعه على الدولة.
وهنا تحديداً تنتصر الصحافة. فالصحفي الحقيقي لا يمكن أن يكون رهينة للقبيلة، ولا أسيراً للقرابة، ولا تابعاً لمن يملك النفوذ.
قد يكون الصحفي من قبيلة المسؤول، وقد يكون منطقته نفسها، وقد تجمعه به صلة نسب أو معرفة شخصية، لكن كل ذلك يجب أن يتوقف عند باب العمل العام؛ لأن القلم الذي يتحول إلى أداة للقبيلة يفقد أهم خصائصه: الاستقلال والقدرة على قول الحقيقة حتى عندما تكون الحقيقة مؤلمة لأقرب الناس.
ولا يعني ذلك أن كل لقاء يجمع مسؤولاً بصحفي من خلفية اجتماعية واحدة يمثل بالضرورة ممارسة عنصرية. فالروابط الاجتماعية والقبلية موجودة في المجتمع السوداني، وقد تكون سبباً طبيعياً في التواصل والزيارات واللقاءات.
لكن عندما يصبح الانتماء المشترك هو سبب الانتقاء في لقاء سياسي هدفه التأثير على المواقف، فإن السؤال عن القبلية في صناعة القرار الإعلامي يصبح مشروعاً تماماً.
والأخطر من ذلك أن السودان اليوم لا يحتمل إعادة إنتاج خطاب يقوم على أن لكل مجموعة سياسية «صحفييها»، أو أن لكل قبيلة «أقلامها».
هذه عقلية خطيرة ينبغي مقاومتها بشدة.فالصحفي الذي يدافع عن الدولة ليس بالضرورة ضد قبيلته، والذي ينتقد الدعم السريع ليس بالضرورة عدواً لمجموعة اجتماعية، والذي يختلف مع سياسي من أبناء منطقته لا يكون قد خان أهله.الوطن أكبر من القبيلة، والدولة أكبر من المجموعة، والضمير المهني أعلى من رابطة الدم.
ولعل الدرس الأهم في هذه الواقعة، بصرف النظر عن تفاصيلها التي تحتاج إلى التحقق من جميع أطرافها، أن محاولة مخاطبة الصحفي من بوابة الانتماء الاجتماعي لن تنجح بالضرورة في صناعة موقفه.لقد تغير السودان كثيراً، وأصبح المواطن والصحفي أكثر وعياً بخطورة تحويل القبيلة إلى أداة سياسية.
ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل السياسيين وأصحاب النفوذ هي:
لا تستدعوا الصحفي لأنه ابن قبيلتكم، بل حاوروه لأنه صاحب قلم. لا تطلبوا منه موقفاً لأنه منكم، بل ناقشوا حجته لأنه مواطن. ولا تراهنوا على رابطة الدم في مواجهة الحقيقة.فالقبيلة قد تجمع الناس، لكنها لا تمنح أحداً صكاً لامتلاك ضمير الآخر.أما الصحافة، فجوهرها أن يقول الصحفي ما يراه حقاً، ولو خالف أقرب الناس إليه.
وهنا يصبح موقف عبدالمنان وعبدالماجد، كما ورد في الرواية، درساً مهماً: يمكن أن يجتمع الناس على النسب، لكنهم لا يُجبرون على الاجتماع على الرأي.وفي السودان الذي دفع ثمناً باهظاً من الحروب والانقسامات بسبب تسييس الهويات، فإن حماية الصحافة من العصبية القبلية ليست ترفاً فكرياً، بل جزء من حماية الدولة نفسها.فالصحافة التي تُستدعى بالقبيلة قد تصمت بالقبيلة، لكن الصحافة الحرة لا تستجيب إلا لضميرها.
وإذا كان هناك درس ينبغي ألا ننساه، فهو أن:
الصحفي لا يمثل القبيلة التي ينتمي إليها؛ إنه يمثل الحقيقة التي يؤمن بها.
وذلك، في نهاية المطاف، هو الفارق بين صحافة الرسالة وصحافة الاصطفاف.