
البرهان وبائعات الأطعمة والأشربة الحلال: حين تعود الدولة إلى تفاصيل الحياة
من مهد الاستقلال إلى بشائر النصر.. رسائل تتجاوز أكواب الشاي وأرصفة الخرطوم
بقلم: دكتور البشير الحسن أبونخل
ليست كل الصور السياسية متساوية في دلالاتها، ولا كل اللقاءات الرسمية تُقرأ من ظاهرها. فبعض المشاهد العابرة في الزمن تحمل من المعاني ما لا تستطيعه الخطب الطويلة، وبعض اللقاءات التي تبدو اجتماعية في ظاهرها قد تختزن في داخلها تصوراً كاملاً لعلاقة الدولة بالمجتمع.
ومن هذا المنظور، يكتسب لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ببائعات الأطعمة والأشربة الحلال في مقر المجلس التشريعي لولاية الخرطوم دلالة تتجاوز حدود المناسبة وأشخاصها؛ لأنه يأتي في لحظة تحاول فيها الخرطوم أن تنتقل من مدينة أنهكتها الحرب إلى عاصمة تستعيد الدولة حضورها، والنظام عافيته، والحياة إيقاعها الطبيعي.
والأهم أن اللقاء جرى في مكان ليس عادياً في الذاكرة السودانية؛ مكان ارتبط بمشهد إعلان الاستقلال ورفع راية الدولة الوطنية. وهنا تتقاطع الرمزية التاريخية مع الحاضر: بالأمس كان السؤال هو كيف يخرج المستعمر من أرض السودان، واليوم أصبح السؤال كيف تستعيد الدولة السودانية سلطانها الكامل على أرضها ومؤسساتها وشوارعها وتفاصيل حياة مواطنيها.
إنها، في جوهرها، معركة مختلفة في أدواتها، لكنها متصلة في مقصدها: استكمال بناء الدولة الوطنية وصيانة استقلالها وإرادتها وسيادتها.
من تحرير الأرض إلى تحرير الحياة
كان الاستقلال، في معناه الأول، تحريراً للأرض والإرادة السياسية من الهيمنة الأجنبية. لكن التجربة التاريخية تؤكد أن الاستقلال لا يكتمل بمجرد رفع العلم أو خروج المستعمر؛ إذ إن الدولة تصبح مستقلة بالمعنى الحقيقي عندما تمتلك القدرة على إدارة شؤون مجتمعها، وحماية مواطنيها، وتنظيم اقتصادها، وإقامة العدل، وصيانة الأمن، وتوفير البيئة التي يستطيع فيها الإنسان أن يعيش ويعمل بكرامة.
ومن هنا فإن استعادة الخرطوم بعد الحرب لا ينبغي أن تُختزل في إزالة الركام وإصلاح الطرق والجسور وإعادة تشغيل المؤسسات.إعادة الإعمار الحقيقية تبدأ حين تستعيد الدولة قدرتها على تنظيم الحياة نفسها.فالدولة التي تستطيع إعادة الأمن إلى الشارع، وتنظيم الأسواق، وحماية أماكن العمل، وضبط النشاط الاقتصادي، وإعادة الخدمات، وإحياء مؤسسات الحكم المحلي، هي الدولة التي بدأت فعلاً في تجاوز آثار الحرب.ولهذا فإن مشهد بائعات الأطعمة والأشربة الحلال ليس هامشياً كما قد يبدو للوهلة الأولى. إنه يضع الدولة أمام سؤال جوهري: كيف نعيد بناء علاقة المواطن بالدولة بعد سنوات من الخوف والفوضى والانهيار؟
العمل الحلال.. اقتصاد الكرامة
من الخطأ النظر إلى بائعات الأطعمة والأشربة الحلال باعتبارهن مجرد عاملات في نشاط اقتصادي صغير.خلف كل امرأة تجلس أمام موقدها أو كشكها قصة كفاح، وأسرة، وأطفال، ومسؤوليات، وحاجة إلى مصدر دخل يحفظ لها ولأسرتها الحد الأدنى من الاستقرار.لقد تحولت هذه المهن، عبر سنوات طويلة، إلى جزء من المشهد الاجتماعي والاقتصادي للمدن السودانية، ولا سيما الخرطوم. وهي في الوقت ذاته صورة واضحة لما يمكن تسميته اقتصاد الكرامة؛ ذلك الاقتصاد الذي تلجأ إليه الأسر عندما تضيق أبواب الوظيفة، وتتراجع الموارد، وتصبح القدرة على إعالة الأسرة مسؤولية يومية لا تحتمل الانتظار.
والمرأة التي تخرج إلى الشارع لتبيع طعاماً أو شراباً حلالاً لا تبحث عن صدقة، وإنما عن رزق كريم تصنعه بيديها.ولهذا فإن تنظيم هذا القطاع لا ينبغي أن يكون قائماً على منطق الإزالة والمطاردة، كما لا ينبغي أن يكون قائماً على الإحسان والرعاية الأبوية.المدخل الصحيح هو التمكين والتنظيم والحماية.
أن تتحول المهنة من نشاط عشوائي معرض للمصادرة والإزالة والاستغلال إلى نشاط اقتصادي منظم، له مكان معلوم، وشروط صحية واضحة، وحماية قانونية، ورسوم عادلة، وخدمات مناسبة؛ فهذا ليس مجرد ترتيب للشارع، وإنما اعتراف بحق الإنسان في العمل.وهنا تحديداً يصبح الكشك أكثر من مجرد مساحة صغيرة لبيع الطعام أو الشراب.إنه عنوان لعقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن.
3500 كشك.. حين يصبح التفصيل الصغير جزءاً من مشروع كبير
إن التبرع بـ3500 كشك لبائعات الأطعمة والأشربة الحلال، إذا نُفذ وفق رؤية مؤسسية سليمة، يمكن أن يتحول من مبادرة اجتماعية إلى نموذج في كيفية إعادة تنظيم الاقتصاد غير الرسمي.فالاقتصاد غير الرسمي ليس مجرد مشكلة ينبغي التخلص منها؛ بل هو في جانب كبير منه نتيجة لقصور الاقتصاد الرسمي عن استيعاب قطاعات واسعة من المجتمع.والتعامل معه بالعقوبات وحدها لا يحل المشكلة.أما تحويله تدريجياً إلى نشاط منظم، مع توفير البنية الأساسية والتمويل والتدريب والحماية الاجتماعية والصحية، فيمكن أن يفتح باباً أوسع للإنتاج والاستقرار والتحصيل والإدماج الاقتصادي.
لكن نجاح الفكرة يتوقف على طريقة التنفيذ.
فالعدالة في توزيع الأكشاك، ووضوح المعايير، ومنع المحاباة، واختيار المواقع بصورة مدروسة، وتوفير الخدمات الأساسية، وضمان عدم تحول المشروع إلى عبء مالي على المستفيدات، كلها أمور لا تقل أهمية عن عدد الأكشاك نفسه.فالمشروع الناجح ليس هو الذي يمنح المرأة كشكاً فحسب، وإنما الذي يجعل الكشك أداة للاستقلال الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
الأمن ليس غائباً عن المشهد
هناك بعد آخر لا ينبغي إغفاله: الأمن الاجتماعي.لقد أنتجت الحرب بيئة شديدة التعقيد، تراجعت فيها سلطة المؤسسات، واتسعت مساحات النشاط غير المنظم، وتداخلت فيها الضرورات الاقتصادية مع المخاطر الأمنية والاجتماعية.ومن ثم فإن تنظيم أماكن العمل العامة ليس قضية جمالية أو إدارية فحسب.فالمدينة المنظمة أكثر قدرة على مراقبة النشاط العام، وحماية المواطنين، والحد من الجريمة، ومنع استغلال الأماكن العامة في أنشطة غير مشروعة.وهنا ينبغي أن يكون مفهوم التنظيم قائماً على التوازن: لا تجريم للفقر، ولا ترك للفوضى.فالمطلوب ليس التضييق على النساء العاملات، وإنما توفير بيئة عمل آمنة ومنظمة تحميهن وتحمي المجتمع في الوقت نفسه.وهذا هو الفارق بين دولة تعاقب الظاهرة ودولة تعالج أسبابها.
حين تسقط المسافة بين الحاكم والمواطنلعل أعمق ما في المشهد هو البعد الإنساني.فالدولة ليست فقط مؤسسات وقوانين ومكاتب وقرارات؛ الدولة في وعي المواطن هي أيضاً ذلك الكيان الذي يشعر بوجوده عندما يحتاج إليه.حين يجد المواطن أن المسؤول يستطيع أن يجلس معه، ويستمع إليه، ويرى مشكلته كما هي لا كما تصفها التقارير، فإن شيئاً مهماً يتغير في العلاقة بين الطرفين.إنها المسافة النفسية بين الحاكم والمحكوم.
وقد كان السودان، تاريخياً، أكثر المجتمعات احتفاءً بمعنى القرب الاجتماعي والتواضع في العلاقة بين الناس. ولذلك فإن المسؤول الذي يذهب إلى المواطن، لا المواطن الذي يُطلب منه دائماً أن يذهب إلى المسؤول، يبعث رسالة سياسية وإنسانية مهمة: أن السلطة ليست امتيازاً فوق المجتمع، وإنما مسؤولية تجاهه.وهذا المعنى يكتسب أهمية مضاعفة بعد الحرب، لأن الحروب لا تدمر المباني وحدها؛ إنها تترك ندوباً عميقة في الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.ومن هنا فإن إعادة بناء الثقة جزء من إعادة الإعمار.
الخرطوم التي نريدها
الخرطوم بعد الحرب تحتاج إلى أكثر من إعادة بناء ما تهدم.إنها تحتاج إلى إعادة تعريف المدينة نفسها.المدينة ليست جسوراً وشوارع ومبانٍ فقط؛ المدينة هي الطريقة التي يعمل بها الناس، ويتنقلون بها، ويتعاملون في أسواقها، ويشعرون فيها بالأمان، ويستخدمون مرافقها، ويتفاعلون مع مؤسساتها.
ولهذا فإن إعادة تنظيم الباعة، والأسواق، وأماكن بيع الأطعمة والأشربة، والمواصلات، والنظافة، والإنارة، والطرق، والخدمات المحلية، ليست ملفات ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد المشروعات الكبرى.إنها اللبنات الأولى في إعادة بناء الدولة من أسفل إلى أعلى.فما قيمة طريق حديث إذا كان المواطن لا يشعر بالأمان عليه؟ وما قيمة مبنى حكومي جديد إذا كانت الخدمة داخله لا تصل إلى المواطن؟ وما قيمة مشروع عمراني ضخم إذا ظلت تفاصيل الحياة اليومية أسيرة الفوضى؟الخرطوم الجديدة يجب ألا تكون فقط أجمل عمراناً؛ يجب أن تكون أكثر أمناً، وأكثر انضباطاً، وأكثر عدالة، وأكثر إنسانية.
بين علم الاستقلال وكشك الطعام
هنا تبلغ الرمزية ذروتها.في المكان نفسه الذي ارتفع فيه علم السودان إيذاناً بميلاد الدولة الوطنية، نرى اليوم مشهداً صغيراً من مشاهد استعادة الدولة بعد حرب قاسية.قد يبدو الأمر لأول وهلة مجرد مصادفة مكانية، لكنه يحمل معنى عميقاً:الدولة التي استقلت بالأمس مطالبة بأن تستعيد اليوم قدرتها على رعاية تفاصيل استقلالها.فاستقلال الوطن لا يعني فقط ألا يكون للأجنبي سلطان على أرضه، وإنما يعني أيضاً أن تكون الدولة قادرة على حماية مواطنيها، وتنظيم اقتصادها، وصون كرامتهم، وبسط سيادة القانون، وإتاحة فرص العمل، وحماية الضعفاء من الاستغلال والفوضى.
ولهذا فإن المرأة التي تقف اليوم خلف كشك منظم لبيع الطعام أو الشراب الحلال ليست بعيدة عن مفهوم الدولة الوطنية؛ إنها جزء من صورتها اليومية.
والعامل في السوق، والموظف في مكتبه، والطالب في مدرسته، والمزارع في حقله، والجندي في موقعه، كلهم يشكلون في النهاية المعنى الحقيقي للوطن.
الدولة التي تعود إلى المواطن
إن أعظم اختبار للدولة بعد الحرب لن يكون فقط في قدرتها على استعادة المدن والمقار والمؤسسات، وإنما في قدرتها على أن تقول للمواطن السوداني، بالفعل لا بالخطاب:لقد عادت الدولة.وتُقال هذه العبارة عندما يعود الأمن إلى الشارع، والقانون إلى السوق، والخدمة إلى المؤسسة، والعمل إلى المواطن، والنظام إلى المدينة، والثقة إلى العلاقة بين المجتمع والدولة.
من هنا يمكن قراءة لقاء البرهان ببائعات الأطعمة والأشربة الحلال باعتباره مشهداً صغيراً في لوحة أكبر: لوحة دولة تحاول استعادة حضورها من قمة السلطة إلى قاع المجتمع، ومن المؤسسات الكبرى إلى تفاصيل الحياة اليومية.ولعل الرسالة الأهم أن النصر لا يكتمل باسترداد الأرض وحدها؛ بل باسترداد الحياة.فإذا كان السودان قد رفع علمه ذات يوم في ذلك المكان معلناً استقلاله، فإن المعركة اليوم هي أن يعود معنى ذلك العلم إلى كل بيت وشارع وسوق ومؤسسة.
وعندما تجد بائعة الطعام أو الشراب الحلال مكاناً آمناً تعمل فيه، ودخلاً كريماً تعيل به أسرتها، وقانوناً يحميها، ودولةً ترى وجودها وتحترم إنسانيتها، فإننا لا نكون قد نظمنا كشكاً على رصيف فحسب.
نكون قد خطونا خطوة أخرى في الطريق الأصعب والأهم:طريق عودة الدولة إلى المواطن، وعودة المواطن إلى الدولة، واكتمال معنى الاستقلال بعد أن أنهكت الحرب البلاد.فالدولة لا تستعيد عافيتها فقط عندما ترفع راياتها فوق المباني؛ بل عندما يشعر المواطن بظلها فوق حياته.