آخر الأخبار

الحوار نعم… لكن بلا وصاية… ولا حصانة من العدالة

د. البشير الحسن أبونخل

 

 

 

لا خلاف على أن الحوار، في جوهره، بادرة طيبة، وأن الأوطان لا تخرج من أزماتها الكبرى بالسلاح وحده، ولا تُبنى دولها المستقرة بمنطق الغالب والمغلوب، وإنما بالحوار والتوافق والاحتكام إلى إرادة الشعب وسيادة القانون. ومن هذه الزاوية، فإن الدعوة إلى حوار سوداني–سوداني، بعيداً عن الوصاية الخارجية والإملاءات الأجنبية، تستحق أن تُستمع إليها بعقل مفتوح، وأن تُناقش بجدية، وأن تُقاس بمدى قدرتها على الإسهام في وقف الحرب وفتح الطريق أمام سلام دائم.

 

 

وقد أعلنت اللجنة التيسيرية للحوار السوداني–السوداني مبادرة وطنية لفتح مسار للحوار داخل السودان، مؤكدة أن دورها يتمثل في تهيئة المناخ وبناء الثقة وتيسير المشاورات الأولية، وأنها لا تريد فرض أجندة مسبقة أو تحديد أطراف الحوار قبل استكمال المشاورات. كما طالبت الدولة بتوفير ضمانات قانونية وأمنية للمشاركين، ودعت المجتمع الدولي إلى احترام الملكية السودانية للحوار وعدم التدخل في مساره أو مخرجاته.

 

 

 

وهذه في ظاهرها مقاصد جديرة بالتأمل؛ غير أن الحوار، مهما علت شعاراته، لا يصبح وطنياً لمجرد أن يُسمى سودانياً، ولا يصبح عادلاً لمجرد أن تُرفع عنه الوصاية الخارجية. فالمعيار الحقيقي لأي حوار هو: من يجلس إلى الطاولة؟ وبأي صفة؟ وعلى أي أرضية؟ وما الذي يُراد الوصول إليه؟
هنا تحديداً ينبغي أن يكون الكلام واضحاً لا يحتمل الالتباس.

 

 

 

عدم الإقصاء ليس قاعدة مطلقة، والشمول السياسي ليس مرادفاً للتسوية بين الجاني والضحية.

 

 

 

فمن حق السودانيين أن يتحاوروا، بل من واجبهم أن يبحثوا عن طريق ينهي هذه الحرب ويعيد بناء دولتهم. لكن لا يجوز أن يتحول شعار «لا إقصاء» إلى مظلة تُسقط الفوارق بين من اختلف سياسياً، ومن حمل السلاح وتمرد على الدولة، ومن ارتكب جرائم ضد المواطنين، أو شارك في القتل والإبادة والمجازر والانتهاكات، أو تورط في نهب الممتلكات وتدمير البنية التحتية وتشريد الأسر واحتلال المنازل والأعيان المدنية.

 

 

 

كما لا ينبغي أن يُنظر إلى من استقوى بالأجنبي، أو عمل لخدمة أجندات خارجية تستهدف السودان وسيادته ووحدته وموارده، باعتباره مجرد طرف سياسي آخر ينتظر مقعده حول مائدة الحوار.فالسياسة شيء، والجرائم شيء آخر.

 

 

 

والخلاف السياسي، مهما بلغ، لا يجعل صاحبه عدواً للدولة، كما أن حمل السلاح ضد الدولة والمواطنين لا يمكن أن يتحول بمجرد الجلوس إلى طاولة الحوار إلى خلاف سياسي عابر. ومن الخطأ الخلط بين حق الإنسان في الرأي والموقف السياسي وبين المسؤولية عن الجرائم التي ارتُكبت تحت غطاء سياسي أو عسكري.

 

 

 

إن السودان يحتاج إلى حوار يفتح أبوابه أمام القوى السياسية والمدنية والمجتمعية الوطنية، ويستمع إلى مختلف الآراء والرؤى، ويبحث جذور الأزمة، ويضع أسساً جديدة لإدارة الدولة، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى قدر من الصراحة يمنع تحويل الحوار إلى آلية لإعادة تدوير الحرب سياسياً، أو إلى وسيلة تمنح الشرعية لمن فقدها بارتكاب الجرائم أو الارتهان للخارج.

 

 

 

ومن هنا فإن الضمانات المطلوبة للمشاركين ينبغي أن تُفهم في إطارها الصحيح. فحماية من يعود إلى السودان للمشاركة في حوار سياسي أمر يمكن تفهمه، خصوصاً إذا كان الأمر متعلقاً بمواقف سياسية سلمية أو نشاط سياسي مشروع. لكن الحصانة الإجرائية ليست عفواً عن الجرائم، ولا ينبغي أن تتحول إلى غطاء يمنع العدالة من الوصول إلى من تثبت مسؤوليته عن جرائم جنائية جسيمة.

 

 

فالسلام الذي يُبنى على تعطيل العدالة قد ينجح في إسكات البنادق لبعض الوقت، لكنه يزرع في النفوس بذور حرب جديدة.

 

 

والسؤال الأهم هنا :هل نريد سلاماً مؤقتاً أم سلاماً مستداماً؟

 

 

السلام المستدام لا يقوم على الانتقام، لكنه أيضاً لا يقوم على النسيان القسري. لا بد من عدالة تُميّز بين السياسي والمعارض والمختلف في الرأي من جهة، وبين مرتكب الجريمة من جهة أخرى. ولا بد من قانون يعلو على الجميع، فلا يُستخدم لتصفية الخصوم، ولا يُعطل لحماية أصحاب النفوذ.
ولذلك فإن أي حوار وطني جاد ينبغي أن يضع منذ بدايته خطوطاً واضحة: لا حصانة للجرائم، ولا إفلات من العقاب، ولا مساواة بين من حمل السلاح على الدولة والمواطنين وبين من مارس حقه السياسي سلمياً، ولا شرعية لمن يستقوي بالخارج على وطنه.

 

 

 

وفي المقابل، ينبغي للدولة أن تدرك أن الحوار الوطني لا يمكن أن يكون حواراً حكومياً، ولا ينبغي أن يتحول إلى عملية سياسية تُدار من فوق. فالدولة، كما قالت اللجنة، ينبغي أن توفر الحماية والتسهيلات والضمانات التي تمكن السودانيين من الحوار بأمان، دون أن تتحول إلى وصي على الحوار أو صاحب القرار الوحيد في أطرافه وأجندته ومخرجاته.

 

 

 

وهنا تكمن المعادلة الدقيقة: الدولة تحمي الحوار، لكنها لا تصادره؛ والشعب يملك الحوار، لكنه لا يملك إسقاط الدولة أو تعطيل القانون.
أما الحديث عن «الملكية السودانية» للحوار، فهو من أكثر النقاط أهمية في هذه المبادرة. فقد أنهكت السودان المبادرات الخارجية المتعددة، وتعدد الوسطاء، وتضارب الأجندات، وتنافس القوى الإقليمية والدولية على صياغة مستقبل البلاد. وقد آن للسودانيين أن يتولوا بأنفسهم مسؤولية صناعة مستقبلهم، وأن تكون المساعدة الخارجية مساعدة لا وصاية، ودعماً لا إملاءً، وتيسيراً لا إدارةً نيابة عن السودانيين. وهذا المبدأ يتقاطع مع الدعوة التي أطلقتها اللجنة إلى احترام الإرادة السودانية وعدم التدخل في مجريات الحوار أو مخرجاته.

 

 

 

لكن الملكية السودانية للحوار تقتضي، في المقابل، ألا يتحول الحوار إلى ملكية لفئة سودانية بعينها. فلا يجوز أن تستبدل الوصاية الأجنبية بوصاية داخلية، ولا أن يُختزل السودان في نخبة سياسية محدودة تدعي احتكار تمثيله.

 

 

الحوار الحقيقي هو الذي يسمع صوت الدولة، وصوت الأحزاب، وصوت القوى المدنية والمجتمعية، وصوت الشباب والمرأة، وصوت النازحين واللاجئين، وصوت المناطق التي دفعت الثمن الأكبر للحرب، ويستمع كذلك إلى كل صاحب رأي سياسي سلمي، دون أن يجعل من الحوار ستاراً لتبرئة من ارتكب جرائم في حق الشعب.

 

 

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى حوار من أجل الحوار، ولا إلى مؤتمر جديد تضاف أوراقه إلى أرشيف المؤتمرات التي لم تغيّر شيئاً في واقع الناس. يحتاج إلى حوار منتج؛ حوار يجيب عن سؤال الحرب والسلام، وعن شكل الدولة، وعن علاقة المركز بالأقاليم، وعن بناء المؤسسات، وعن إصلاح الاقتصاد، وعن العدالة، وعن الجيش والقوات النظامية، وعن كيفية منع تكرار الحرب.

 

 

والأهم من ذلك كله أن ينتهي الحوار إلى عقد وطني جديد يحترمه الجميع، لا إلى صفقة مؤقتة بين النخب.

 

 

لقد أثبتت التجربة السودانية أن تأجيل معالجة جذور الأزمات لا يلغيها، وإنما يراكمها حتى تنفجر في صورة أكثر عنفاً. ولذلك فإن وقف الحرب يجب أن يكون أولوية، لكن وقف الحرب وحده لا يكفي. لا بد من بناء الدولة التي تجعل العودة إلى الحرب أمراً مستحيلاً أو بالغ الكلفة.

 

 

إن الدعوة إلى الحوار ينبغي ألا تُقابل بالرفض لمجرد الخوف من الحوار، كما ينبغي ألا تُقبل بلا شروط لمجرد أن السلام غاية نبيلة .

 

 

الغاية النبيلة لا تبرر الوسيلة الخاطئة.

 

نحن مع الحوار، لأن السودان لا يحتمل حرباً بلا نهاية.

 

ونحن مع التوافق الوطني، لأن الوطن أكبر من الأحزاب والأشخاص.

 

ونحن مع إشراك السودانيين جميعاً في صناعة مستقبل بلدهم، لأن لا أحد يملك السودان وحده.

 

 

لكننا، في الوقت نفسه، مع دولة القانون، ومع سيادة الدولة، ومع حق الضحايا في العدالة، ومع محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم، ومع رفض أي وصاية أو تدخل أجنبي، ومع رفض تحويل الحوار إلى منصة لتبييض صفحة التمرد أو شرعنة الجرائم أو مكافأة من استقوى بالخارج على وطنه.
الحوار الذي نريده ليس حواراً بين السوداني والسوداني فحسب؛ بل حواراً من أجل السودان.

 

 

وحين يكون السودان هو الغاية، تصبح المشاركة مسؤولية، والتوافق واجباً، والعدالة ضرورة، والسيادة خطاً أحمر.

 

 

فليكن الحوار سودانياً، مستقلاً، شاملاً، صريحاً ومسؤولاً؛ وليكن طريقاً إلى السلام لا مدخلاً إلى حرب جديدة، وإلى دولة عادلة لا إلى محاصصة جديدة، وإلى مصالحة حقيقية لا إلى صفقة تنتهي بانتهاء مصالح أصحابها.

 

 

ذلك هو الحوار الذي يستحقه السودان، ويستحقه شعبٌ أنهكته الحرب، لكنه لم يفقد الأمل في أن ينهض من محنته، ويستعيد دولته، ويبني مستقبله بيديه.