
محجوب فضل وسودان الحرب والرماد
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*كنت أنتظر ما سوف يخطه الأستاذ الكبير محجوب فضل بدري عن كتاب الدكتور عبدالعاطي المناعي، بعد حفل التدشين الذي تم داخل إحدى قاعات مؤسسة روزاليوسف الصحفية في القاهرة خلال الأسبوع الماضي، رغم أن الأستاذ محجوب نفسه هو من كتب مقدمة كتاب (السودان .. الحرب والرماد) ذلك السفر القيم الذي نقل تجربة حية للدكتور المناعي في مواجهة مآسي الحرب التي اشعلتها قوات الدعم السريع في السودان منتصف أبريل من العام 2030 م
*لم يطل إنتظاري ولم يخيب الأستاذ محجوب فضل ظني فخرج بمقال واف عن تلك الجلسة والتي سبق أن تناولنا ما جرى فيها على ذات هذه المساحة ، لكن ما كتبه الأستاذ محجوب فضل يستحق أن ينشر على الملأ ويفيد منه الجميع .. وقد جاء بعنوان (المناعي وإعلان حالة الحب على السودان) وكان كما يلي:
*لا يفوت الأوان أبداً للتجربة الأولى ، أو كما قال الروائى الأسبانى كارلوس زافون فى أحدى رواياته، متاهة الأرواح، أو ظل الريح ، أو سجين السماء، أو لعبة الملاك، وكلها روايات متداخلة الشخصيات والأماكن والأسماء والحوادث
*وكذلك الدكتور عبدالعاطي بكري المناعي لم يَفُت عليه الأوان ليكتب كتابه الموسوم (السودان الحرب والرماد) مع عنوان ثانوي (شهادتي على زمن الإنهيار ) كما جاء فى الغلاف الخارجي، وقد إستبدل هذا العنوان فى الغلاف الداخلي الى (شهادتي على حريق الخرطوم) ومهما كان من أمر العنوان فان محتوى الكتاب لا يتعدى عن كونه شهادة مَنْ رأىٰ بأم عينيه . وليس من رَأىٰ كَمَنْ سمع.
*والكتابةُ مهنةٌ يتعلمها المرء،ولكنه لا يستطيع تعليمها لغيره، والقلم ليس ملكاً لأحد، لأنه روح حرة تُلازم من يكتب به، ولم يدَّعي المناعي لنفسه فى كتابه بطولات، فالإنسان لا يكون بطلاً الَّا عندما يراوده الشعور بالخوف ، وقد مرت لحظاتُ خوفٍ بالكاتب لم يُنكرها أبداً، ولكنه بالمقابل لم يستسلم لها ،حتى أن فجيعته بوفاة والدته لم تمنعه من مواصلة الكتابة .. وبأيعازٍ من أصدقائه أمسك بالقلم وكتب وثيقةً مهمة جداً لما عايشه فى الحرب وقدَّم جواباً شافياً على السؤال : من الذى أطلق الطلقة الأولى؟ وهى شهادة من شخصٍ محايد لا يُحسب على أى طرف.
*سعدتُ أيُّما سعادة بأننى كنتُ أول من قرأ الكتاب وقَدَّم له، ولم يسبقنى على قراءته إلا الكاتب ذات نفسه ،وكان من البديهى أن أكون من ضمن المدعوين لحضور حفل تدشينه فى قاعة إحسان عبد القدوس بمقر روز اليوسف وسط القاهرة، وأن أكون على المنصة جوار الكاتب، وبصحبة الأستاذة الأجلاء مجدى الدقَّاق، ومصطفى أبوالعزائم وعلم الدين عمر ، وقد داعبتُ أستاذ مجدى بأن(الدَقَّاقَ) قرية كبيرة ومحطة سكة حديد تقع الى الغرب من مدينة أبوزبد بكردفان ، فضحك البورسعيدى الصارم
نال الكتاب حظه من النقاش والتقريظ وبعض النقد، لكن الجميع إتفقوا على فَرَادَةِ الكتاب الذى عَطَنَه د. المناعي بماء النيل، وبحبِهِ للسودان ، وهو يحكي عن تجربته بصدقٍ بائن ، وعاطفةٍ جياشة سالت معها دموعه ودموع الحضور، وقد وصف المناعي تجربته بأنها كانت عملاً مُرهقاً ومُبهجاً فى الوقت ذاته، مَزَجَ فيها بين قوة الشباب وعمق الشيوخ، وشدة البأس ولين الرحمة، وحكمة الجنوب وسماحة الشمال، وأبَانَ د.المناعي فى كتابه بأن المستحيل كلمةً لا وجود لها ، وأنَّ الفقر ليس عيباً بل هو فرصة لأكتشاف القدرات والأمكانات، وأن العطاء يبنى الأمم وينقلها من الإحتياج الى الإنتاج ويحوِّلها من الهشاشة الى الصلابة والإستقرار.
*بقى د. المناعي فى الخرطوم لأكثر من شهرين بعد بداية الحرب حتى نفذ مخزون مركز ترافيكير الطبى الذى يملكه من أى علاج أو مستهلكات طبية ، ومن ثم فَكَرَ فى المغادرة لأن الطبيب بلا أدوية مثل الجندى فى المعركة بلا سلاح.
*غادر المناعي إلى ود مدني ، وتلك قصة أخرى فى حياة المناعي الذى يعرف الجزيرة كباطن كفه ويصف مدني بأنها (الريف الخالى من الزيف) إذ تتسم الحياة فيها بالبساطة والبركة وأنها تعمل بالحد الأدنى من الإمكانيات، لكن بالحد الأقصى من الإرادة ، وقد تعلَّم منها أنَّ (تقطيب الروح) لربما يكون أكثر أهميةً من (تقطيب الجروح) الذى دَرَسَهُ فى كلية طب جامعة الأزهر.
*في الفصول الأولى من الكتاب يعرض د.المناعي تجربته فى العمل فى السودان ضمن الفريق التنفيذي لمشروع (السكن المُنتِج) في منطقة حنتوب بولاية الجزيرة ود مدني وهو أحد مشروعات مؤسسة سعيد لوتاه الخيرية .. ذلك المحسن الكبير أسكنه الله فسيح جناته وسقىٰ قبره الغمام، فصارت ودمدني عشقه الأبدي كما جاء فى الكتاب، ولو أسقط القارئ المتأمل تجربة (السكن المنتج) سيجد فيها الحل الأمثل لإزالة آثار الحرب المدمرة التى طالت معظم ربوع السودان.
*وسيصل القارئ بسهولة الى أهمية التوثيق الذي أجراه المناعي بقلمه وكاميرته وريشته وفكره وصدقه وحبه للسودان وأهله.
*ولولا (صعيدية) د. المناعي لأطلقت عليه إسم (عبدالعاطي ود سلمى) لكن الصعايدة (معروفين حاميين أوى)وسلمى الأم التي توفيت وهي تتحرق شوقاً الى رؤية إبنها الدكتور الذى استأذنها للمغادرة بعد أن أجرىٰ لها جراحة وتركها وهي بالكاد تتماثل للشفاء، وهذا ما جعل المناعي يجهش بالبكاء وهو يذكرها ويذكر صديقه الراحل الصحفي أشرف الجداوي الذي طالبه بالكتابة ولم يحضر صدور الكتاب رحم الله الجميع.
*وبعد فان إعلان المناعي عن حالة الحب على السودان، مقابل إعلان حالة الحرب على السودان الذى تكالبت عليه قوى الشر، يؤكده ماجاء فى (كتاب السودان الحرب والرماد) الذى ملأ فراغاً عريضاً فى المكتبة السودانية والعربية يصعب ملؤه فى زمان إستشرت فيه كتابات الأسافير وقلَّ فيه أدب المذكرات والشهادات الموثوقة !! مع عدم إكتراث معظم أهلنا عن التوثيق . أذاً فلا غنىًٰ لأى باحثٍ أو قارئ أو مهتم عن الإطلاع على هذا الكتاب الوثيقة.
*حيا الله الدكتور (عبدالعاطي ود سلمى) رغم أنف الصعايدة فنحن أهل السودان لا نستنكف عن نسبتِنا لأمهاتنا ، دون تفريط فى نسبِنا لآبائنا.