
الوطن الذي لم نتعلّم كيف نبنيه..من صراع السلطة إلى صناعة الدولة
د. الهادي عبدالله أبوضفائر
*هل نريد بناء المستقبل بعقل واع أم نعيد الماضي؟ قبل أن ندلف إلى ما ستفعله (لجنة الحوار)، وقبل أن نسأل إن كانت قادرة على إنجاز ما عجزت عنه اتفاقات ومبادرات وحكومات متعاقبة علينا أن نتوقف لحظة أمام سؤال أسبق من اللجنة وأعمق من الحوار.
*فكلما تبدلت الأحوال أعدنا السؤال.. من يحكم؟ من يشارك؟ ومن يملك نصيباً من السلطة؟ ثم ننتظر من الإجابة القديمة أن تصنع لنا وطناً جديداً
*أما السؤال الذي تأخرنا كثيراً في مواجهته فهو أكثر عمقاً لماذا عجزنا عن بناء وطن مستقر؟ هل الدولة حدودا مرسومة وعلما يرفرف فوق مبنى حكومي واسماً رسمياً في الوثائق وشعارا في الأوراق ورواتب ومجموعة مؤسسات ومكاتب؟.. تلك هي الصورة الخارجية.. أما الدولة فهي فكرة قبل أن تكون جغرافيا وبوصلة قبل أن تكون مؤسسات وعقدٌ يجمع المختلفين على مصير مشترك، وذاكرةٌ تحفظ ما يجمعنا وشعورٌ بالانتماء إلى وطن واحد.
*ربما خطؤنا أننا بدأنا البناء من أعلى.. أنشأنا المؤسسات قبل أن نبني الإنسان وكتبنا الدستور قبل أن نبني الثقة بين السلطة والناس ورسمنا هياكل الدولة قبل أن نتفق على شكل الدولة. فصنعنا نسقاً مشوهاً يبحث منذ ولادته عن مضمون.. امتلكنا دولة صار لها اسمٌ وأجهزة وقوانين ومؤسسات لكن معناها ظل غائباً فالسؤال الأشد خطراً بقي بلا جواب.. هل شعر المواطن أن هذا وطنه وله فيه مكاناً وكرامةً ومستقبلاً؟.
*الدولة لا تقوم على الطاعة وحدها, فالطاعة قد تصنع تابعاً لكنها لا تصنع مواطناً.. وهذه الصفة لا تُمنح بمرسوم وإنما تنشأ من شعور عميق بالشراكة في المكان والقرار والمصير له حقوقٌ تُصان لا منّةً وعليه واجباتٌ يؤديها اقتناعاً لا تُنتزع منه بالتهديد.. عشنا عقودا طويلة داخل بقعة جغرافية دون أن نتعلم كيف نكون فيها شركاء.. تُطلب من المواطن ان يدفع الثمن وأن يضحي من دون آن يكون له صوت في صناعة القرار وهكذا ترسخت علاقة مختلة.
*بغياب العقد الاجتماعي تنفصل السلطة عن المجتمع وتتحول الدولة في نظر المواطن إلى جزيرة بعيدة.. يقف خارج أسوارها ينظر إليها كأنها شأنٌ يخص آخرين.. ومن هنا وقعنا في خطأ آخر خلطنا بين الدولة والسلطة والنظام، حتى بدت الدولة كأنها شخصٌ يتبدل مزاجه بتبدّل الحاكم، ترضى برضاه وتغضب بغضبه وتسقط بسقوط نظامه. غير أن الدولة أعمق من السلطة، وأبقى من النظام، وأوسع من أي تحالف سياسي.
*النظام يتغير والدولة تبقى.. الحكومة تتبدل والمؤسسات تستمر.. الرئيس يذهب والقانون يبقى.. الحزب يصعد ثم ينزل أما الدولة فلا ينبغي أن تدخل معه المصعد.. كل تغيير سياسي يتحول إلى زلزال وكأن المؤسسات لم تُنشأ أصلاً لتحمي البلاد من تقلبات السياسة.. كل صباح نستيقظ على سعر جديد وسوق مرتبك وعملة تبحث عن مرساة ودولار لا نعرف كيف نضع له رسناً حتى يستقر.
*قوة الأوطان تبدأ من متانة أساسها فلا اقتصاد مستقر بلا قانون راسخ ولا قانون يستقيم إذا خضع للتأويل بحسب موقعك من السلطة.. فالقانون فوق الحاكم والمحكوم والحزب والقبيلة والغني والفقير والقوي والضعيف.
*ومن هنا يعود السؤال الأهم.. أيُّ وطنٍ نريد؟ وطنَ عشيرة أم طائفة، أم حزب أم مشروع تفرضه جماعة على الجميع؟ أم نريد وطناً تكون فيه المواطنة أصل الإنتماء ، والحقوق ثمرةُ لها والقانون حارس لها؟..من أعقد أزماتنا أننا حاولنا بناء دولة قوية دون أن نمتلك البوصلة التي تحدد أيَّ دولة نريد. لذلك أخشى أن يكون السؤال الحقيقي أمام لجنة الحوار أعمق من مجرد قدرتها على جمع الفرقاء.
*هل تملك البوصلة؟ وهل تستطيع أن تقول للسودانيين إن المطلوب هذه المرة ليس اقتسام الدولة وإنما إعادة تعريفها فالمخاطر تبدأ حين نحاول صناعة مستقبل جديد بالأدوات القديمة.. نفس الأسئلة .. نفس الإجابات.. نفس عقلية توزيع السلطة. نفس الخوف من المختلف. نفس الاعتقاد بأن السياسة صفقة مؤقتة بين الأقوياء ثم نسمي الناتج مشروعاً وطنياً
*الدولة الحديثة لا تخشى السؤال فقوة القانون تقوم على حق السؤال والمساءلة والنقد والصوت المختلف. ومن يثق بمؤسساته لا يحتاج إلى إسكات الناس لإثبات قوته. أما الهشاشة، فتخاف من السؤال كما يخاف الجدار المتصدع من أن يلمسه أحد.
*الخوف الذي يسكننا أقدم من السياسة، فقد تربّينا في البيت والمدرسة والمجتمع على أن السؤال قد يعد تجاوزاً والاختلاف خروجاً والنقد تهديداً والطاعة فضيلة حتى حين يكون المطلوب أن نفكّر. ثم حملنا هذا الإرث معنا إلى السياسة فصار الخوف جزءاً من طريقة إدارتنا للاختلاف.. حين نعجز عن تخيّل المستقبل نكتفي بتكرار ما ورثناه. وهكذا نشأت أجيالٌ تتعلم حفظ الإجابة قبل صناعة السؤال فتراجع الخيال السياسي.. الوطن في جوهره خيالٌ جماعي قبل أن يكون جهازاً إدارياً، حلمٌ يجعل ملايين المختلفين يقولون هذا المكان لنا جميعاً
*حين انشغلنا بإطفاء الحريق اليومي غاب عنا سؤال الغد. أيُّ وطن نريد؟ فاختزلنا الدولة في الخدمات، كهرباء وماء وطريق ومرتب ووظيفة وورقة رسمية وهي كلها حقوق وضرورات لكنها لا تختصر معنى الوطن. فالوطن أكبر من خدمة وأعمق من منفعة.. الدولة وعد بالمستقبل وفكرة تجعل الطفل الذي يولد اليوم يعتقد أن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس وأن حقوقه لا تتوقف على اسم أبيه ولا قبيلته ولا قربه من السلطة ولا قدرته على حمل السلاح.
*ربما آن الأوان أن نتوقف عن صناعة الاتفاقات بالطريقة التي صنعت أزماتنا.. فالمهمة الحقيقية أمام لجنة الحوار ليست إضافة اتفاق جديد إلى سجل الاتفاقات وإنما مواجهة السؤال الذي هربنا منه طويلاً. أيُّ وطن نريد وكيف نبني قواعد تجعل اختلافنا شراكةً لا صراعاً؟..كيف نبني عقداً اجتماعياً يبدأ بمواطن واع بحقوقه وواجباته وسلطةٍ لا تحتاج إلى تخويف مواطنيها كي يطيعوها وقانون واحد لا يتغير بتغيّر الوجوه واقتصادٍ مفتوح ومنتج تحميه المؤسسات ولا تعبث به الولاءات؟.
*كيف نصنع هوية وطنية لا تخجل من التنوع، ولا ترى في الاختلاف نقصاً. دولة تعطيك حقك لأنك مواطن قبل أن تطلب منك واجبك. وتأخذ واجبك باعتباره مسؤولية لا باعتباره إذعاناً. دولة تجعل المواطن يقول دون خوف أو مجاملة. هذه دولتنا هي تحمينا ونحن نحميها.
*عندها فقط يصبح للدستور معنى وللمؤسسات وظيفة، وللاقتصاد أرض يقف عليها، وللسياسة حدود أخلاقية، وللسلام فرصة حقيقية.أما إذا دخلنا الحوار بالسؤال القديم، وخرجنا بالإجابة القديمة، فلن تكون المشكلة في أن الحوار فشل. المشكلة أننا لم نحاول أصلاً أن نغيّر السؤال.