(36) نوعاً من الطيور.. غابة السنط تستعيد صوتها من جديد
إعداد- زلال الحسين:
قبل أن تصبح الخرطوم مدينة تحمل آثار الحرب، كانت هناك أماكن صغيرة تمنح أهلها فرصة للهروب من صخبها ولو لساعات.
كانت غابة السنط واحدة من تلك الأماكن.. تذهب إليها العائلات، يجلس الصغار تحت الأشجار، وتتحول نزهة بسيطة إلى يوم كامل من الهواء والظل والنيل، فيما كانت الطيور تصنع جزءاً من المشهد دون أن ينتبه إليها أحد.
سنوات الحرب أغلقت الطريق إلى كثير من هذه الذكريات، وتغيّر وجه الغابة نفسها، بعدما تعرض غطاؤها النباتي وأشجارها لأضرار وضغوط كبيرة.. لكن شيئاً من الحياة ظل متمسكاً بالمكان.
في الأيام الماضية، عادت أنشطة مشاهدة الطيور إلى غابة السنط للمرة الأولى منذ بداية الحرب، وفي الجولة جرى رصد وتوثيق 36 نوعاً من الطيور المقيمة، بينها أبو قردان والبلشون الأبيض والوروار والهدهد، إلى جانب العصافير والسنونو.
وهنا تبدو الحكاية أكبر من مجرد جولة لمراقبة الطيور.
فالطيور المقيمة التي بقيت في الغابة طوال سنوات الحرب تذكّر بأن الطبيعة لم تتوقف تماماً، حتى عندما توقفت أشياء كثيرة حولها.. ومع عودة الطيور المهاجرة في موسم الخريف، يعود معها مشهد قديم كانت تعرفه الخرطوم قبل الحرب.
وتلتقط (أصداء سودانية) صورمن غابة السنط من زاوية أخرى؛ ليس باعتبارها أشجاراً وطيوراً فقط، وإنما جزءاً من ذاكرة المدينة..مكاناً ارتبط برحلات العائلات، وبجلسات الأصدقاء، وبأيام كان فيها الخروج للنزهة أمراً بسيطاً لا يحتاج إلى كثير من التخطيط.. ربما لهذا تبدو عودة الطيور الآن لافتة.
فالخرطوم التي تحاول استعادة حياتها لا تحتاج فقط إلى أن تعود إليها المباني والأسواق والطرق، وإنما تحتاج أيضاً إلى أن تستعيد أماكنها التي تحفظ ذاكرتها.
وفي غابة السنط، قد تكون أولى علامات العودة لا تأتي من صوت الإنسان، وإنما من صوت الطيور.