آخر الأخبار

الحرب… أرض النيلين عطشى

 

لمياء موسى

*مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، لم تعد أزمة المياه مجرد أثرٍ جانبيٍّ لدمار البنية التحتية، بل غدت واحدة من أكثر وجوه الحرب حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية للسودانيين فانقطاع الكهرباء معناه أن تتوقف المضخات عن العمل، وتضرر شبكات المياه يترجم بقطع الماء عن البيوت، ومع شح الوقود وارتفاع كلفة البدائل، يجد الناس أنفسهم مضطرين إلى البحث عن الماء في مصادر قد لا تكون آمنة، لتصبح قطرة الماء التي يُفترض أن تمنح الحياة مصدرًا جديدًا للخوف من المرض.

*لذلك تحولت صهاريج المياه، والآبار، ونقاط التوزيع إلى مشاهد مألوفة في حياة ملايين السودانيين؛ يقفون عندها حاملين أوعيتهم، ينتظرون نصيبهم من الماء.. فلم يعد النزوح من أجل الأمن والأمان فقط، بل أصبح أيضًا من أجل الماء.. وهكذا لم تعد الحرب تُقاس فقط بأصوات الرصاص وحجم الدمار وعدد الضحايا، بل أيضًا بعدد البيوت التي جفّت فيها الصنابير، وبالمسافات التي يقطعها الناس بحثًا عن ماءٍ صالحٍ للشرب.

*فالحرب لم تُنضب موارد السودان المائية؛ فالسودان غني بموارده المائية، وإنما عطّلت المنظومة التي تتيح استثمارها وإيصالها إلى مستحقيها.. فقد ألحقت أضرارًا جسيمة بمحطات الضخ وشبكات التوزيع وخطوط الكهرباء، وأضعفت قدرة الجهات المختصة على التشغيل والصيانة، في وقتٍ تعرقل فيه صعوبة تأمين الوقود وقطع الغيار استمرارية الخدمة.. ومع اتساع نطاق النزوح، ازدادت الضغوط على المدن والمناطق التي تعاني أصلًا محدودية الخدمات، وانقطعت ملايين الأسر عن مصادر المياه الآمنة والمنتظمة.. وهكذا لم تعد المياه المتاحة موردًا مضمون الوصول، بل تحولت إلى خدمة معلّقة على سلامة البنية التحتية واستقرارها؛ حتى أصبحت عملية البحث عن الماء مسؤولية كبيرة لدى الأسر منذ الساعات الأولى للنهار، لتغدو أزمة المياه أحد أكثر وجوه الحرب التصاقًا بتفاصيل الحياة اليومية.

*أُجبر السكان على الاستعاضة عن المنظومة المركزية ببدائل بدائية وعشوائية؛ تنوعت بين نقاط التوزيع المؤقتة، والآبار غير الخاضعة للرقابة الصحية، والشراء المباشر من الصهاريج التجارية، مما ألقى على كاهل الأسر أعباءً مالية جديدة.

*وبموجب هذا الواقع، انتزع الاستحقاق الخدمي مكانه ليحل محله نمط جديد قائم على المتابعة، والانتظار، والادخار المنزلي لموردٍ بات التنافس عليه معركة يومية

ولم يقف الإخلال بسلامة شبكات المياه والصرف الصحي عند حدود العجز التشغيلي، بل تعداه ليعيش السكان تهديدًا بيئيًا وصحيًا جسيمًا؛ جراء الاختلاط المباشر بين مصادر الشرب والمياه الملوثة، لا سيما في مراكز الإيواء والتجمعات المكتظة.

*ووفقًا للمؤشرات الصحية والأطر ذات الصلة بحماية الصحة العامة في أوقات النزاعات، تحول المورد المفترض لحفظ الحياة إلى عامل من عوامل استشراء الأوبئة والأمراض الفتاكة، وفي مقدمتها (الكوليرا)، ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، فقد أصاب تفشي الكوليرا في 2024 نحو 124,418 شخصا في مختلف أنحاء السودان.. وأسفر عن 3,573 وفاة لتتحول المشاهد التوثيقية لطوابير الأطفال والأسر أمام نقاط الإمداد إلى دليل مادّي دائم على حجم الخرق الذي طال حقوق الإنسان الأساسية والتدهور المريع في البيئة المعيشية.

*أمام هذا الواقع تصطدم مساعي ترميم منظومة المياه بعقبات هيكلية وأمنية بالغة القسوة؛ في مقدمتها خطورة وصول الكوادر الفنية والهندسية إلى المحطات والشبكات الواقعة في مناطق الاشتباكات المباشرة، إلى جانب التراجع الكبير لسلاسل الإمداد اللازمة لتوفير المواد الكيميائية للتعقيم وقطع الغيار، بالإضافة إلى التعطيل الممتد لشبكات التغذية الكهربائية ومصادر الطاقة..

*وعلى الرغم من هذه القيود، شهدت الاستجابة الحكومية – بالتنسيق مع الهيئات الولائية والشركاء الإنسانيين- تحركات طارئة للحد من تداعي الخلل المرفقي؛ تمثلت في تنفيذ عمليات صيانة عاجلة للخطوط الناقلة في بعض المناطق والأحياء التي شهدت استقرارًا نسبيًا، وإعادة تشغيل عدد من الآبار الجوفية، مع التركيز على نشر وحدات تنقية محمولة مع تزويد التجمعات السكانية ومراكز النزوح المستجدة بمواد التعقيم الضرورية، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الجاهزية التشغيلية ومنع انهيار الخدمة بالكامل.

*وفي الختام، فإن أزمة المياه لم تعد عرضاً جانبياً للنزاع، بل أمست تهديداً مباشراً للحق في الحياة وبقاء الإنسان. ولما كان تأمين المياه الصالحة للشرب التزاماً أصيلاً يقع على عاتق الكافة، فإن تدارك هذا التداعي يقتضي حشد الطاقات الإدارية والمجتمعية وتوجيه الاستثمارات نحو بدائل مستدامة؛ وفي مقدمتها التوسع في حفر الآبار الجوفية المزودة بالطاقة الشمسية لتقليل الاعتماد على الشبكات المركزية العرضة للاستهداف والتعطيل.

*كما يتطلب الواقع فرض حوكمة صحية وسعرية صارمة على وسائل النقل والبيع الخاصة لتجريم الاستغلال المالي، وإخضاع نقاط التوزيع للرقابة الدورية لمنع تفشي الأوبئة، بالإضافة إلى دعم اللجان الأهلية لتنظيم التوزيع العادل داخل الأحياء ومراكز الإيواء وتكتمل هذه المنظومة بتوفير ممرات آمنة لفرق الصيانة لحمايتهم وتخصيص حصص استثنائية من الوقود للمحطات الحيوية؛ إذ إن التكاتف لإعادة شريان الحياة ليس إجراءً استثنائياً، بل واجب قومي وإنساني لا يحتمل التأجيل