سور بالمليارات لم يصمد أمام الرياح وعربة إزالة المطاط من المدرجات لم تتحرك..ماذا يحدث خلف أسوار مطار الخرطوم؟
الخرطوم- مصطفى سليمان:
في مطار الخرطوم لا تبدو المفارقة هذه المرة في الطائرات ولا في حركة المدرجات، المفارقة تقف على الأرض نفسها.. سور بتكلفة تُقدّر بالمليارات ينهار بفعل الرياح ويسقط فوق عربة مخصصة لإزالة المطاط من مدرج المطار، والعربة نفسها بحسب مصادر لم تدخل الخدمة منذ شرائها.. لكن الحادثة لا ينبغي أن تُختزل في سؤال عن قوة الرياح أو جودة البناء، فالمشهد يفتح ملفاً أوسع يتعلق بكيفية التعاقد والتنفيذ والإستلام والصرف والرقابة على المشروعات والمعدات داخل مطار يفترض أن تكون السلامة التشغيلية فيه أولوية.
فبحسب معلومات وردت إلينا فإن منفذ أعمال السور أنهى إحدى مراحل المشروع وطالب بمستحقات، وعند بدء إجراءات الصرف طُلب منه تقديم فاتورة ورقم ضريبي، وكانت الإجابة منه بأنه لا يملك لا فاتورة ضريبية ولا رقم ضريبي .. وهنا تبدأ الأسئلة المشروعة:
هل كان منفذ العمل مستوفياً منذ البداية للمتطلبات القانونية والضريبية اللازمة للتعاقد معه؟.. وإذا لم يكن يمتلك فاتورة أو رقماً ضريبياً فكيف تم التعاقد معه أصلاً؟.. وكيف كان يفترض أن تتم عملية صرف مستحقاته؟..و بحسب معلوماتنا فإن معالجة الأمر إنتهت إلى الإستعانة بطرف آخر لإصدار فاتورة ثم صدر الشيك بإسمه.
وهنا تصبح التساؤلات أكثر دقة ومشروعية: هل نفذ الطرف الذي صدرت بإسمه الفاتورة الأعمال فعلياً؟.. إذا كان قد نفذها فأين العقد ومحاضر التنفيذ والإستلام التي تثبت ذلك؟
وإذا لم ينفذها فمن نفذ الأعمال فعلياً؟.. ولماذا صدر الشيك بإسم طرف آخر؟..ومن إعتمد الفاتورة؟.. ومن أجاز الصرف؟.. وهل توجد علاقة تعاقدية أو مالية بين من نفذ الأعمال فعلياً ومن صدر الشيك بإسمه؟.. هذه الأسئلة لا تمثل إتهاماً لأي شخص ولا تثبت بذاتها وقوع مخالفة ، لكنها أسئلة مشروعة لا يمكن حسمها بالروايات الشفهية وحدها ، لكن مراجعة المستندات ذات الصلة بالواقعة قادرة على الإجابة.. ويبقى السؤال الأخطر:
كيف إنهار سور بهذه الكلفة؟.. هل نُفذت الأعمال وفق المواصفات الفنية؟.. وهل أُجريت إختبارات الجودة والسلامة؟.. هل يوجد محضر إستلام فني ونهائي؟.. هل تم توثيق المواد المستخدمة في البناء؟.. هل أجريت معاينة هندسية لموقع الإنهيار؟.. وهل أُعد تقرير فني يحدد السبب الحقيقي للإنهيار؟.. وإذا ثبت وجود خلل في التصميم أو التنفيذ فمن يتحمل تكلفة إعادة البناء؟
ثم تأتي المفارقة الثانية ، فالعربة التي سقط عليها السور مخصصة لإزالة المطاط من مدرج المطار، وبحسب المعلومات المتاحة لنا فإنها لم تدخل الخدمة منذ شرائها.. وهنا أيضاً لا نحتاج إلى إتهام أحد، نحتاج فقط إلى إجابات شفافة
لماذا لم تدخل العربة الخدمة؟.. هل تم إستلامها وفق المواصفات؟.. هل خضعت للفحص والتجربة قبل الإستلام؟.. هل تم تدريب العاملين على تشغيلها؟.. هل تتوفر لها قطع الغيار والصيانة؟. وإذا كانت صالحة للتشغيل منذ البداية فكيف تم إستلامها؟.. وإذا كانت صالحة فلماذا بقيت خارج الخدمة؟.
المشهد يا (حضرات المسؤولين)، ليس مجرد سور إنهار فوق عربة، إنه مشهد يستحق أن يفتح ملفاً كاملاً حول إدارة المشروعات والمشتريات والإستلام والصرف والمعدات داخل مطار الخرطوم.. والمطلوب هنا ليس رواية مضادة ولا إتهاماً جاهزاً.. المطلوب هو مراجعة المستندات
العقد، الفاتورة، الرقم الضريبي، محاضر التنفيذ، الشيك، محاضر الفحص، مستندات شراء العربة، وتقرير أسباب إنهيار السور..فإذا كانت الإجراءات سليمة فالمستندات قادرة على إثبات ذلك ، وإذا كانت هناك أخطاء إدارية أو مالية أو فنية فالمستندات قادرة أيضاً على كشفها.. وفي النهاية تبقى المفارقة التي تختصر القصة كلها
العربة التي كان يفترض أن تتحرك على المدرج لإزالة المطاط من مدرج المطار لم تتحرك منذ شرائها .. والسور الذي كان يفترض أن يبقى ثابتاً هو الذي تحرك.. وهنا لا يعود السؤال عن سور وعربة فقط .. السؤال يصبح: ماذا يحدث خلف أسوار مطار الخرطوم؟