آخر الأخبار

عطل في اسانسير عمارة ب (فيصل) (2-2) 

 

عمرو خان

تسقط شبكة الاتصالات الهاتفية داخل هذا الصندوق الحديدي، ويتعطل الإنترنت عن استقبال الرسائل أو إرسالها، وكأن الأسانسير قرر أن يعزل سكانه الستة عن العالم تمامًا

لا هاتف، لا رسالة، لا مكالمة، ولا حتى نافذة صغيرة يمكن أن يطلوا منها على الخارج

ثم جاءت الهزة.. هزة قوية مفاجئة جعلت الصندوق الحديدي يرتج بعنف، فاصطدمت الأجساد بالجدران، وارتفعت الأصوات في اللحظة نفسها، قبل أن يستقر الأسانسير من جديد.. بدا الأمر، للحظة، وكأن القدر يطرق بابهم بطريقته الخاصة: أهلًا… أهلًا… أهلًا… أهلًا بالسكان.

*كان الطبيب المصري أكثرهم انزعاجًا، ليس خوفًا، وإنما اعتراضًا على الطريقة التي تدار بها الأمور.. قال وهو يحاول أن يستعيد توازنه

أنا مش فاهم إزاي الأسانسير مالهوش وسيلة أمان تحمينا من الخطر لما يكون مش شغال؟.. كان رجلًا مسالمًا بطبعه، شديد الالتزام، وربما أكثر مما ينبغي. لكنه في الأزمات كان يميل إلى البحث عن الخطأ قبل البحث عن مخرج، وكأن لوم الأشياء جزء من عملية إصلاحها.. وكان يفعل ذلك مع الآخرين أكثر مما يفعله مع نفسه.. فالطبيب نادرًا ما يقع في مثل هذه المواقف.. يخطط لكل شيء، يراجع التفاصيل، ويحسب الاحتمالات.. لكنه في تلك اللحظة نسي حقيقة بسيطة: أنه لا يعيش وحده في هذه العمارة.

*كان حوله خمسة آخرون، لكل واحد منهم ما يكفي من الأزمات التي جاء بها من بلده، ومن ذاكرته، ومن حياته، حتى لا يحتمل أزمة جديدة، خصوصًا إذا بدت له في البداية مشكلة ثانوية يمكن تجنبها.. ومن هنا بدأ الاختلاف.. رجل الخرطوم كان أكثرهم هدوءًا.. لم يكن صمته خوفًا، بل نوعًا من الدبلوماسية التي تعلمها من مدينة اعتادت أن تجمع الناس من أطراف مختلفة تحت سقف واحد..

التقط طرف الخيط بين الطبيب وبقية السكان، وحاول أن يخفف من حدة النقاش.. أما رجل أم درمان، فقد تمسك بحقه في الاعتراض.. قال بانفعال: أنا من حقي أرفض الطريقة دي، ومن حقي أعرف مين المسؤول عن العطل ..لم يكن مخطئًا تمامًا، لكن المشكلة أن الصندوق الحديدي لم يكن مكانًا مناسبًا لخوض معركة حول الحقوق.. كان هناك نوع من المعارك لا ينتصر فيها أحد، حتى لو كان صاحب الحق على حق..

أما رجل دارفور، فظل يبحث عن مدخل يعبر به عن عدم رضاه عن بعض تفاصيل الحياة داخل العمارة، وكأن الأزمة المفاجئة فتحت أمامه دفترًا قديمًا من الملاحظات

*وبينما كان الثلاثة السودانيون يتبادلون الكلام، كان السعودي والسوري يراقبان المشهد بصمت.. لم يكن الصمت يعني أنهم خارج الأزمة.. على العكس كانوا جميعًا داخل الصندوق نفسه ثم جاء الصوت من الخارج ..في حد جوه؟ ساد الصمت لحظة. ثم التفت الجميع ناحية الباب.. لم يعد أحد يهتم بمن قال ماذا قبل دقيقة

*تعلقت أعينهم بالصوت كما يتعلق الغريق بأي شيء يطفو فوق الماء.. صرخوا في وقت واحد.. أيوه إحنا محبوسين.. اقترب الصوت مرة أخرى محبوسين إزاي يعني؟ الأسانسير وقف.

*كان الصوت لرجل دليفري، واحد من هؤلاء الذين يقطعون شوارع القاهرة يوميًا، يحمل الطعام من مطعم إلى زبون لا يعرفه، ثم يغادر سريعًا ليحصل على طلب آخر.. لا يعنيه كثيرًا ما إذا كان الطعام صحيًا أو ضارًا، ولا إن كان الزبون راضيًا أم غاضبًا.. مهمته محددة: يوصل الطلب، يحصل على أجره، ويرحل.. كان قد صعد إلى الدور الحادي عشر لتوصيل طلب، وحين انتهى حاول أن يستقل الأسانسير، لكنه وجده قد اختفى.. انتظر قليلًا ثم تململ وقرر النزول على السلم، دورًا بعد دور وعندما وصل إلى الدور الرابع سمع أصواتًا خلف باب الأسانسير.

*اقترب وسأل في حد جوه؟ لم تكن الإجابة هذه المرة سؤالًا كانت صرخة جماعية أيوه إحنا محبوسين.. سألهم باستغراب محبوسين إزاي يعني؟ ثم أخبرهم بالمفاجأة.. الكهرباء لم تكن مقطوعة.. وهذا يعني أن المشكلة على الأرجح في الأسانسير نفسه.. ساد الصمت.

*كانت تلك أول معلومة حقيقية تصلهم من خارج الصندوق.. طلب الطبيب بسرعة من عامل الدليفري أن يتصل بشركة الصيانة، ثم يصعد إلى الدور الأول لإبلاغ رئيس اتحاد الملاك، وبعدها ينزل إلى الأرضي ويطلب من الغفير أن يأتي للمساعدة.

 

*استمع الرجل لكل التعليمات هز رأسه.. ثم قال حاضر.. لكن كلمة (حاضر) لم تكن تعني بالضرورة أنه سيفعل كل شيء.. اختصر المهمة كلها في رأسه بدلًا من شركة الصيانة ورئيس اتحاد الملاك والغفير، ذهب مباشرة إلى البواب، وأبلغه بما حدث ثم رحل.. كان قد حصل على ما يكفي من التأخير.

*أما البواب، فكان رجلًا خمسينيًا، طيب الوجه، يحمل في ملامحه حكاية رجل لم تأخذه الحياة إلى حيث أراد

 

كان سائق ميكروباص في إحدى قرى جنوب مصر، حتى تعقدت أموره، فترك المهنة، وجاء إلى الجيزة مع زوجته وأطفاله الأربعة بحثًا عن فرصة.. أقنعه صديق بالعمل بوابًا للعقارقال له وقتها: السكن موجود، ولحد ما ربنا يفرجها ومنذ ذلك اليوم صار الرجل جزءًا من العمارة يعرف سكانها، يعرف أصوات أبوابهم، يعرف مواعيد خروجهم وعودتهم، ويعرف حتى من يفضل أن يصعد السلم بدل الأسانسير.. وعندما سمع أن ستة أشخاص عالقون بداخله، لم يتردد صعد فورًا.. أبلغ رئيس اتحاد الملاك، واتصل بشركة الصيانة، ثم ذهب إلى الدور الرابع وقف أمام باب الأسانسير وقال: متخافوش يا جماعة، هنطلعكم إن شاء الله

*كانت زوجته تقف بالقرب منه، تحمل زجاجات مياه، بينما بدأ هو يفكر في طريقة لتهوية الصندوق الحديدي.. لأول مرة منذ بداية الأزمة لم يسأل أحد: من المصري؟ من السوداني؟ من الخرطوم؟ من أم درمان؟ من دارفور؟

من السعودية؟ من سوريا؟ السؤال الوحيد الذي كان مهمًا كيف نخرج؟ اقترح الرجل السعودي..ممكن تحرك بكرة السلك بتاعة الأسانسير، تسحبه شوية لفوق أو لتحت، لحد ما يبقى الصندوق قريب من فتحة الدور، ونقدر نفتح السقف اقتراح بسيط لكن ما إن سمعه المحتجزون حتى انفجرت أصواتهم بالرفض.. لامحدش يقرب من الأسانسيرده خطراستنوا شركة الصيانة.. سكت السعودي نظر إلى الباب الحديدي ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال  طيب ..لم يكن في ابتسامته سخرية كان قد بدأ يفهم شيئًا كل واحد منهم جاء إلى هذه العمارة محملًا بطريقته في التفكير، وبخبراته، وبما اعتاد أن يراه صحيحًا.. الطبيب يريد النظام.. رجل أم درمان يريد حقه رجل الخرطوم يريد تهدئة الموقف رجل دارفور يريد أن يثبت اعتراضه السعودي يبحث عن حل عملي السوري يراقب ويتدخل عندما يرى أن تدخله ضروري.

*والبواب لا يسأل أصلًا عن كل ذلك هو فقط يريد أن يخرج الناس سالمين وبينما كانوا مختلفين في كل شيء تقريبًا، كانوا متفقين على شيء واحد دون أن يقولوه: لا أحد يريد أن يظل داخل هذا الصندوق كانت الأزمة تفعل ما لم تستطع العمارة فعله خلال سنوات.. تقربهم ففي الأيام العادية، قد يمر أحدهم بجوار الآخر في مدخل العمارة دون أن يعرف اسمه قد يسمع لهجته ولا يفهمها تمامًا قد يختلف معه في طريقة الكلام، أو النظافة، أو مواعيد استخدام الأسانسير، أو حتى في تعريفه لما هو طبيعي لكن حين أُغلق الباب عليهم، اختفت المسافات

صار الهواء واحدًا والخوف واحدًا والانتظار واحدًا والباب الذي يريدون فتحه واحدًا لم تختفِ الاختلافات، لكنها فقدت قدرتها على أن تكون جدارًا وهنا، ربما، اكتشفوا أن التعايش لا يبدأ دائمًا من التشابه.. أحيانًا يبدأ من الاحتكاك من الاختلاف من سوء الفهم من المشاجرة الصغيرة ثم من اكتشاف أن الآخر، مهما اختلفت لهجته أو بلده أو طريقته في النظر إلى الأشياء، يقف في النهاية إلى جوارك عندما يهتز الصندوق.. وكان الأسانسير لا يزال عالقًا لكن شيئًا آخر كان قد تحرك بالفعل ..كانوا يتحركون، ببطء، من مجرد سكان متجاورين إلى سكان يعرف بعضهم بعضًا إلى بشر وجدوا أنفسهم، رغم اختلافهم، في الصندوق نفسه وربما كان ذلك هو الدرس الذي أرادت عمارة فيصل أن تعلمهم إياه.. أن التعايش لا يولد كاملًا إنه يتشكل مع الوقت.

*تبدأ الحكاية باختلاف، ثم يأتي الاحتكاك، ثم تفرض الظروف القرب، ومع القرب يحدث التكيّف، ومع التكيّف يبدأ الاندماج… أما الأسانسيرفكان لا يزال ينتظر أن يصلحوه..

وكأن القدر قرر أن يمنحهم وقتًا أطول قليلًا ليتعرفوا إلى بعضهم.

*كاتب صحفي مصري