عمالقة بلا أنياب.. ريال مدريد والهلال والأهلي في قبضة الهوية المفقودة !
هناك أندية لا يكفيها أن تفوز، بل يُنتظر منها أن تفرض شخصيتها على المباراة، وأن تجعل المنافس يعيش تحت الضغط منذ صافرة البداية.
ريال مدريد في إسبانيا، والهلال في السعودية، والأهلي في مصر، ثلاثة أندية اعتادت جماهيرها أن ترى كرة هجومية، وضغطًا مستمرًا، وسيطرة تترجم إلى فرص وأهداف.
لكن المشهد الحالي يبدو مختلفًا بصورة لافتة، بعدما أصبح الثلاثي تحت قيادة مدربين يميلون إلى التنظيم قبل المغامرة، والتحولات قبل الاستحواذ الهجومي المستمر، مع الاعتماد على الكتل الدفاعية المتوسطة أو المنخفضة في بعض مراحل المباريات.
والنتيجة أن السؤال لم يعد متعلقًا بعدد النجوم داخل الملعب، بل بمدى قدرة كل فريق على الحفاظ على هويته التاريخية.
صحوة إنزاجي لا تخفي عيوب الهوية

مع سيموني إنزاجي، أصبح الهلال أكثر اهتمامًا بالتوازن والتنظيم والتحولات، وهي فلسفة نجح المدرب الإيطالي في تطبيقها بصورة واضحة خلال فترات من الموسم الماضي، لكنها لم تقنع الجماهير التي كانت تنتظر فريقًا أكثر شراسة هجومية، خصوصًا مع الكم الهائل من النجوم في الخط الأمامي.
ورغم أن الهلال بدأ الموسم الحالي بصورة قوية، محققًا 6 انتصارات في أول 7 جولات، والفوز الكاسح على التعاون 6-0 لا يمكن اعتباره وحده دليلًا كافيًا على اكتمال المنظومة الهجومية؛ فالسكري في مراكز الهبوط ولم يحقق أي انتصار حتى ذلك الوقت.
وفي المقابل، سبق للهلال أن خسر أمام نيوم 0-2 رغم امتلاكه ثلاثة مهاجمين بارزين، في مباراة عانى خلالها من غياب الفاعلية الهجومية.
المشكلة إذن ليست في قدرة الهلال على تسجيل الأهداف عندما تنهار مقاومة المنافس، وإنما في قدرته على صناعة الحلول أمام فريق منظم يغلق المساحات ويجبره على اللعب في مناطق ضيقة.
وهنا تحديدًا تظهر أزمة الهوية التي تشعر بها الجماهير: هل هذا هو الهلال الذي اعتادت أن يهاجم، أم فريق جديد يبحث أولًا عن الأمان ثم ينتظر لحظة الهجوم
الأهلي.. العملاق الذي يبحث عن أنيابه

في القاهرة، تبدو الأزمة أكثر وضوحًا مع المغربي حسين عموتة، الذي تولى قيادة الأهلي مطلع الموسم الحالي، فالنتائج لا تزال تمنحه مساحة للدفاع عن مشروعه، لكن الأداء الهجومي يفتح بابًا واسعًا للأسئلة، خصوصًا مع بطء بناء اللعب، وقلة الأنماط الهجومية الواضحة، والاعتماد المتكرر على الحلول الفردية.
الأهلي حقق بداية جيدة في الدوري قبل تعادله 1-1 مع المقاولون العرب، لكنه في تلك المباراة عانى من اختراق دفاع المنافس، رغم سيطرته على الكرة في الشوط الثاني، وانتهى الأمر بهدف من ركلة جزاء.
كذلك، عانى الأهلي من مساحات شاسعة خلف دفاعه وبين قلبين الدفاع، واستغلها المقاولون مرارًا وتكرارًا، حتى رغم الانتصار على أبو قير للأسمدة في الجولة الماضية، إلا أن ذلك تحقق أيضًا بمجهودات فردية.
وهنا يصبح غضب الجماهير مفهومًا من زاوية فنية، لأن المشكلة ليست مجرد التعادل أو إهدار فرصة، وإنما الشعور بأن طريقة اللعب نفسها لا تشبه الأهلي الذي تريد الجماهير رؤيته.
فريق يمتلك أسماء قادرة على صناعة الفارق، لكنه لا يبني الهجمة بصورة تمنح هؤلاء اللاعبين أفضل الظروف، فيتحول الحل الفردي من سلاح إضافي إلى طوق نجاة متكرر.
ريال مدريد.. النجوم حاضرون والهجوم غائب

أما في مدريد، فالمعادلة أكثر إثارة؛ لأن جوزيه مورينيو عاد إلى ريال مدريد وسط توقعات ضخمة، لكنه وجد نفسه أمام فريق يمتلك أسماء رنانة في كل الخطوط، بينما لا تزال شخصيته تحت الاختبار.
مورينيو نفسه أكد أنه يريد فريقًا قادرًا على الضغط واستعادة الكرة عاليًا ثم قتل المنافس خلال ثوانٍ في التحول، لكنه شدد أيضًا على ضرورة امتلاك القدرة على الدفاع بصورة أعمق عندما تفرض المباراة ذلك.
المشكلة ظهرت بصورة صارخة أمام أتلتيكو مدريد، عندما خسر ريال مدريد 1-2 في الديربي، في مباراة عانى خلالها الفريق من فقدان السيطرة والفاعلية، بينما امتلك أتلتيكو زمام المباراة لفترات طويلة.
ورغم أن ريال مدريد يملك لاعبين قادرين على صناعة الفارق الفردي، فإن المنظومة لم تمنحهم ما يكفي من المساحات أو الاستمرارية الهجومية.
والأكثر إثارة أن مشكلة ريال مدريد لا تتوقف عند البناء الهجومي، بل تمتد إلى الضغط نفسه، الفريق لا يضغط كوحدة متماسكة بالقدر المطلوب، وعندما يتراجع إلى مناطقه لا يبدو دائمًا قادرًا على التحكم في المساحات بين الخطوط، بينما يصبح أكثر ارتباكًا أمام منافس يفرض عليه الاستحواذ بدلًا من أن يمنحه المساحات التي يريدها للتحول.
أزمة واحدة بثلاثة أسماء
المثير في قصص الهلال والأهلي وريال مدريد أن الأندية الثلاثة لا تعاني من نقص في الجودة الفردية، بل من سؤال أكبر: كيف تريد أن تلعب؟ فالجماهير لا تطالب فقط بالفوز، وإنما تريد أن ترى فريقًا يهاجم بالطريقة التي تتناسب مع تاريخه، ويضغط ويصنع الفرص ويجبر المنافس على التراجع.
إنزاجي لديه ترسانة هجومية قادرة على صناعة الفارق، وعموتة يمتلك أسماء تمنحه حلولًا هجومية متنوعة، ومورينيو يملك في ريال مدريد مجموعة من أبرز لاعبي العالم.
ومع ذلك، لا تبدو القوة الفردية كافية عندما لا تكون هناك منظومة هجومية واضحة تستطيع تحويلها إلى تفوق مستمر.
وهنا تصبح المعركة الحقيقية للمدربين الثلاثة أكبر من مجرد جمع النقاط، إنزاجي مطالب بإثبات أن التنظيم لا يعني التخلي عن شخصية الهلال، وعموتة أمام مهمة إعادة الأهلي إلى الشكل الذي يريده جمهوره، بينما يحتاج مورينيو إلى إيجاد التوازن بين فلسفته في الضغط والتحولات وبين متطلبات فريق مثل ريال مدريد الذي لا يمكنه انتظار المساحات طوال الوقت.
ثلاثة عمالقة، ثلاثة مدربين، وثلاث فلسفات تبحث عن التوازن، لكن المشكلة أن الجماهير في مدريد والرياض والقاهرة لا تريد فريقًا ينتظر المباراة، بل فريقًا يصنعها.
وإذا استمر العجز أمام المنافسين الذين يغلقون المساحات، فقد تتحول أزمة النتائج إلى أزمة هوية حقيقية، لأن أكبر ما يخشاه الجمهور ليس أن يخسر فريقه مباراة، وإنما أن يتوقف عن اللعب بالطريقة التي يعرفه بها