
حين تعجز اليد عن حمل ما يبقى
د. الهادي عبدالله أبوضفائر
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)
*هناك أناس حين يرحلون لا يتركون وراءهم فراغاً وإنما يتركون سؤالاً كبيراً عن معنى أن يعيش الإنسان حياة تستحق أن تُروى بعد موته. ومن هؤلاء كان البروفيسور إبراهيم موسى تبن الضو، والد زوجتي أسماء، الذي انتقل إلى رحمة الله صباح الخميس 24 سبتمبر 2026م في القاهرة.
*رحل البروف وبقيت سيرته تمشي بين الناس. فالموت لا يُنهي حياة الإنسان حين يتوقف قلبه، وإنما حين ينطفئ أثره.. أما الذي يترك خلفه علماً ويزرع في النفوس قيماً، ويصنع في حياة الآخرين فرقاً فإن غيابه لا يكون نهاية حضوره يمضي جسده، وتبقى كلماته ومواقفه شاهدة عليه حتى نكتشف بعد الرحيل أن بعض ما قاله لم يكن حديثاً عابراً وإنما كان وصيةً للحياة.
*كان الراحل أستاذاً وعالماً مربياً أفنى جانباً كبيراً من حياته في خدمة العلم وصناعة الإنسان. تولى عمادة كلية الإنتاج الحيواني جامعة الخرطوم قسم إنتاج اللحوم، وأسهم في تأسيس وإدارة جامعة غرب كردفان، ثم حمل مسؤولية تأسيس جامعة السلام، وتولى كذلك إدارة جامعة سنار، فكانت المناصب عنده محطات للعمل لا غايات للسيرة، وكان يرى في الجامعة ما هو أبعد من جدرانها وقاعاتها، باعتبارها مكاناً تُبنى فيه العقول وتتشكل فيه أجيال المستقبل.
*كان حافظاً لكتاب الله ومعلماً له، فاجتمع في سيرته علمٌ يخدم الحياة وقرآنٌ يذكّر صاحبَه، الدنيا مهما اتسعت فيها المناصب وتشعبت فيها المراحل ليست وطناً مقيماً وإنما طريقٌ يمضي بالإنسان إلى ما هو أبقى. ولذلك لم يكن أثره محصوراً فيما تولاه من مواقع بل فيما تركه في نفوس طلابه وزملائه وجيرانه وكل من امتدت إليه يده بالعلم والتربية، وهو الأثر الذي لا تنتهي صلاحيته بانتهاء المنصب ولا يطويه الرحيل.
*لكنني حين أستعيد ذكر البروفيسور إبراهيم موسى تبن، لا أتذكر الأستاذ الجامعي وحده ولا العالم وحده ولا الإداري الذي أسس وأدار الجامعات وإنما أتذكر الإنسان الذي اقترب مني حتى سقطت بيننا المسميات.
*لم تكن علاقتي به علاقة نسيب بنسيبه، ولا ابن بعمه فقد تجاوزت القرابة حدودها حتى أصبحت أخوة وصداقة ومودة. كنا نتشاور في شؤون الحياة كلها وكأن بيننا من العمر ما يكفي لأن يصبح الحوار نوعاً من الأمانة.
*وكان آخر عهدي به في القاهرة، حين ذهبت إليه مودعاً.. أجلسني إلى جواره، وقال لي بهدوءٍ يشي بيقينٍ عميق (يا ابني، المرض ما بقتل، البقتل هو الأجل.. وأنا اليوم راضٍ تماماً بما قدمت.. فإذا أخذ الله أمانته، فلا تجزعوا، عليكم بالدعاء لي).. قالها وكأنه لم يكن يودعني وإنما كان يسلّمني آخر ما في قلبه يقيناً بأن الإنسان لا يملك موعد الرحيل، لكنه يملك أن يصل إليه راضياً بما ترك وراءه.
*ثم سكت قليلاً كأنه أراد أن يترك لي ما هو أبقى من الكلام فقال لي :كان بإمكاني أبني قصوراً لكن بيتي بنيت منه الدور الأرضي فقط. اليوم ما قادر آخذ منه سيخة ولا طوبة. وهكذا حال الذين بنوا القصور. يا ابني، اعمل ما يرضي الله، لأن رضا الله هو قيمة تذكرة الآخرة فاعمل لتكون تذكرتك درجة أولى.
*لم أكن أعلم يومها أنه كان يكتب لي وصيته الأخيرة وأن حديثاً عابراً بيننا سيصبح بعد موته درساً كاملاً في فلسفة الحياة. ما نبنيه للدنيا يبقى فيها وما نبنيه لله هو الذي نعبر به إلى الآخرة.
*ما أغرب الإنسان.. يقضي عمره في جمع ما يظنه ضماناً للبقاء، ثم يكتشف متأخراً أن الأشياء لا تردّ عمراً مضى. نبني القصور ونملأ الخزائن، ثم نمضي دون أن نستطيع حمل طوبة واحدة مما بنيناه ونترك البيت لمن يسكنه والمال لمن يرثه والمفاتيح لمن يأتي بعدنا.
*وعندها لا يبقى معنا إلا ما عجزت اليد عن حمله؛ ما علّمناه، وما أنجزناه، وما أودعناه في قلوب الآخرين من محبة، والسيرة التي تمضي بين الناس بعد أن تتوقف خطانا.. ذلك هو الرصيد الذي لا تحفظه خزائن الدنيا، ولا يظهر في دفاتر الحساب؛ أثرٌ صنعناه، وخيرٌ تركناه، وإنسانٌ أصبح أفضل لأننا مررنا في حياته. في نهاية العمر لا يبقى لنا ما امتلكناه وإنما ما تركناه.
*لهذا لم يكن حديثه عن القصر حديث رجل لم يستطع أن يبنيه، وإنما كان حديث رجل أدرك قبل الرحيل أن القيمة ليست فيما يملك الإنسان، وإنما فيما يبقى منه حين يفقد كل ما يملك. وما أعظم أن يصل الإنسان إلى آخر الطريق وهو قادر أن يقول. رضيت بما قدمت فلا تجعلوا حزني عليكم أكبر من دعائكم لي.
*رحل لكنه ترك خلفه جامعات أسهم في بنائها، وطلاباً حملوا علمه إلى أماكن شتى وعلماً في الكتب وقرآناً في الصدور، ومحبةً في قلوب أهله وأصدقائه وتلاميذه وجيرانه.. ترك لنا تلك الكلمات التي ستظل أكبر من البيت الذي لم يكتمل لأنها اختصرت فلسفة عمرٍ كامل: ما نبنيه للدنيا يبقى فيها، وما نبنيه لله نعبر به إليها.
*اعمل لرضا الله واجعل تذكرتك درجة أولى.. رحم الله الأب الذي فقدناه والعم الذي كان قريباً من القلب والأخ الذي لم تجمعنا به رابطة الدم وحدها والصديق الذي كان حضوره أوسع من المسميات. رحم الله العالم المتواضع والأستاذ المخلص والمربي الذي لم يكن العلم عنده وظيفة وإنما أمانة، ولم تكن الحياة عنده سباقاً نحو الامتلاك وإنما فرصة لإيداع شيء جميل في حياة الآخرين.
*وما أشد الفقد حين يرحل من كنت تستطيع أن تقول له ما لا تقوله لغيره. غير أن الموت، مهما أخذ، يعجز عن أخذ كل شيء؛ يغيب الجسد وتبقى السيرة يصمت الصوت وتبقى الكلمات وينصرف الإنسان عن أعيننا ويبقى منه فينا ما لا يرحل.
*ولعل أصدق الوفاء لرجل قضى عمره معلماً أن نتعلم من رحيله كما تعلمنا من حياته. اللهم إن عبدك قد جاءك وأنت أعلم به منا، فاجعل علمه وعطاءه وإصلاحه وما حفظ من كتابك وما غرسه في نفوس طلابه وأهله ومحبيه، نوراً يمتد بعد انقضاء العمر.
*اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، ونقه من الخطايا، وأدخله الجنة بغير حساب ولا سابق عذاب. اللهم اجعل مرضه كفارة ورفعة، والقرآن أنيسه، والرحمة مقامه، والجنة مستقره.
*وخالص العزاء والمواساة للأسرة ولأبنائه وبناته وإخوانه وأخواته وذويه وطلابه وزملائه ومحبيه وجيرانه، ولكل من عرفه وأحبّه. نم قرير العين فما تركته خلفك أكبر من بيت لم يكتمل وأبقى من مال لا يُحمل. تركت سيرةً طيبة وجدت لها مقاماً في قلوب الناس. رحمك الله رحمة واسعة، وجعل علمك وخيرك ومحبتك أثراً باقياً وشاهداً لك.
إنا لله وإنا إليه راجعون