آخر الأخبار

الحوار السوداني- السوداني.. من صمود الميدان إلى صناعة السلام

 

د. ميمونة سعيد ابورقاب

*لم يعد الحوار السوداني- السوداني مجرد خيار سياسي يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب، وإنما أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية تفرضها مصلحة السودان ومستقبل دولته.. فالحروب مهما طال أمدها لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن السياسة، والانتصار في الميدان، مهما كانت أهميته، يحتاج في نهاية المطاف إلى رؤية سياسية تحفظ الدولة وتمنع إعادة إنتاج أسباب الصراع.. ومن هنا فإن الحوار المطلوب ليس حواراً لتجاوز ما حدث أو القفز فوق تضحيات السودانيين، وإنما حوار يستوعب نتائج الحرب، ويستفيد من دروسها، ويحول الصمود الوطني إلى مشروع لبناء السلام والدولة.

*لقد تحملت القوات المسلحة السودانية خلال الحرب أعباء جسيمة دفاعاً عن الدولة ومؤسساتها وسيادتها، وعن الأرض والعِرض والمقدرات الوطنية. وما قامت به في هذا السياق ينبغي أن يُثمَّن في الوعي الوطني، باعتباره جزءاً من مسؤولية المؤسسة العسكرية في حماية الدولة وصون سيادتها.. غير أن أعظم تكريم لهذه التضحيات لا ينبغي أن يقتصر على الإشادة، بل أن يتحول إلى مشروع وطني يمنع تكرار الحرب.. فإذا كان أبناء القوات المسلحة قد حملوا السلاح دفاعاً عن الوطن، فإن المسؤولية السياسية والمجتمعية في المرحلة المقبلة تتمثل في بناء دولة تستحق تلك التضحيات.

*ومن هنا تأتي أهمية الحوار السوداني- السوداني، لا باعتباره تسوية بين النخب، ولا صفقة لتقاسم السلطة، وإنما باعتباره مساراً وطنياً لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع والسياسة والقوة.. الإرادة الوطنية أساس النجاح

أولى مقومات نجاح هذا الحوار أن ينطلق من إرادة سودانية خالصة.. والمقصود بذلك أن يكون السودانيون أصحاب القرار الأساسي في تحديد مستقبل بلادهم، وأن يكون الدعم الإقليمي والدولي مساعداً وضامناً وميسراً متى اقتضت الحاجة، دون أن يتحول إلى بديل عن الإرادة الوطنية.

*وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل تعدد المبادرات الدولية والإقليمية بشأن السودان.. وقد رحبت مفوضية الاتحاد الأفريقي في أغسطس 2026 بمبادرة الحوار السوداني-السوداني داخل السودان، تحت إشراف لجنة مستقلة من الحكماء السودانيين، مع التأكيد على شمول العملية للمكونات المدنية والسياسية والمجتمعية كافة، وعلى مبدأ الملكية والقيادة السودانية للحوار.. وهذا يؤكد أن جوهر أي تسوية مستدامة يجب أن ينبع من الداخل، لأن الخارج يستطيع أن يساعد في صناعة البيئة المناسبة للسلام، لكنه لا يستطيع أن يصنع توافقاً وطنياً نيابة عن السودانيين.

*إن الحوار الذي لا يمتلكه السودانيون قد ينجح في إنتاج وثيقة، لكنه سيكون أكثر عرضة لمواجهة أزمة التنفيذ.. أما الحوار الذي ينطلق من الإرادة الوطنية، فإنه يملك فرصة أكبر للتحول إلى مشروع سياسي واجتماعي طويل المدى.. حوار يستوعب كل مكونات الوطن.. السودان لا يحتاج إلى حوار بين مجموعة محدودة من القوى السياسية، وإنما إلى حوار وطني واسع يستوعب مكونات المجتمع وخبراته وكفاءاته.. فالسياسيون وحدهم لا يستطيعون إعادة بناء الدولة، كما أن العسكريين وحدهم لا يستطيعون معالجة الأزمة السياسية، ولا يمكن للخبراء وحدهم إنتاج توافق اجتماعي.

*ولهذا ينبغي أن يضم الحوار السياسيين، والدبلوماسيين، والأكاديميين، والقانونيين، والخبراء الاقتصاديين، والعسكريين المتقاعدين، والإدارات الأهلية، والشباب، والمرأة، والمجتمع المدني، وممثلي الأقاليم، وأصحاب الخبرة في إدارة الدولة والسلام.. لكن الشمول لا يعني المحاصصة.. المطلوب هو مشاركة تقوم على التمثيل الوطني والكفاءة والقدرة على تقديم الحلول.. فالسودان يمتلك رصيداً كبيراً من الخبرات الوطنية، والمطلوب هو جمع هذه الخبرات حول مشروع يتجاوز الاستقطاب ويضع مصلحة الدولة فوق المصالح الحزبية والشخصية.

*تجارب دول خرجت من الحروب: تقدم تجارب ليبيريا وسيراليون وكولومبيا دروساً مهمة يمكن للسودان الاستفادة منها دون استنساخها. ففي ليبيريا أسهم اتفاق أكرا للسلام عام 2003 في الانتقال من الحرب إلى ترتيبات سياسية وأمنية، بينما أبرز اتفاق لومي في سيراليون عام 1999 أهمية نزع السلاح وإعادة الإدماج وتحويل التنافس من السلاح إلى السياسة.. أما كولومبيا، فقد أنهت اتفاقية 2016 أكثر من خمسة عقود من الصراع، لكنها احتاجت بعد توقيعها إلى مراحل طويلة من التنفيذ وإعادة الإدماج وبناء المؤسسات. وتؤكد هذه التجارب أن السلام المستدام لا يقوم على وقف القتال وحده، بل يحتاج إلى إرادة وطنية، وحوار شامل، وترتيبات أمنية، وآليات تنفيذ، ومعالجة جذور الصراع وبناء الثقة.. ومن ثم يستطيع السودان الاستفادة من هذه الدروس مع صياغة تجربته الخاصة بما يتناسب مع ظروفه وتركيبته الوطنية.

* لماذا يمكن أن ينجح الحوار السوداني؟: يمتلك الحوار السوداني- السوداني عدداً من مقومات النجاح إذا أحسن تصميمه وإدارته.. أولها الملكية الوطنية، بحيث يكون القرار سودانياً.. وثانيها الشمول، بحيث لا يشعر أي مكون وطني بأن مستقبله يقرر من دونه.. وثالثها الاستفادة من الخبرات الوطنية التي راكمت تجارب طويلة في السياسة والإدارة والدبلوماسية والأمن والاقتصاد.. ومن أهم مقومات النجاح أيضاً الفصل بين الخلاف السياسي وبقاء الدولة.  فالاختلاف حول الحكومة أو النظام السياسي أو السياسات العامة أمر يمكن إدارته بالوسائل السياسية، أما وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية فينبغي أن تكون إطاراً جامعاً للحوار.

*كما أن الحوار يجب أن يعالج الأسباب العميقة للأزمة، لا مظاهرها فقط.. فقضايا السلطة والثروة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، والإصلاح المؤسسي، والاقتصاد، والعدالة، وإعادة الإعمار، وترتيبات الأمن، كلها قضايا مترابطة لا يمكن فصلها عن مشروع السلام.

*الحوار لا يعني نسيان الحرب: السلام لا يعني محو الذاكرة الوطنية، كما أن الحوار لا يعني تجاهل التضحيات أو معاناة الضحايا.. فالسودان يحتاج إلى ذاكرة تحفظ تضحيات القوات المسلحة والقوى النظامية والمجتمعات المحلية والمواطنين، وفي الوقت نفسه تحفظ حقوق المدنيين والمتضررين من الحرب.. ومن هنا ينبغي أن تتعامل العملية السياسية مع العدالة والمساءلة والمصالحة بصورة قانونية ومتوازنة، بحيث لا تتحول العدالة إلى انتقام، ولا تتحول المصالحة إلى وسيلة لإلغاء الحقوق.. والتحدي الحقيقي هو تحويل الذاكرة المؤلمة للحرب إلى درس وطني يمنع تكرارها.

*من إنهاء الحرب إلى بناء الدولة: الهدف النهائي للحوار ينبغي ألا يكون تشكيل حكومة جديدة فقط، وإنما إعادة بناء الدولة السودانية. دولة تكون فيها المؤسسات فوق الأشخاص، والقانون فوق القوة، والمواطنة أساس الحقوق والواجبات، والجيش مؤسسة وطنية للدولة، والسياسة مجالاً للتنافس السلمي، وتكون الأقاليم شريكاً حقيقياً في صناعة المستقبل.. ومن ثم ينبغي أن يناقش الحوار شكل النظام السياسي، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وترتيبات الأمن، والإصلاح المؤسسي، والاقتصاد، وإدارة الموارد، والعدالة، والإعمار، وقواعد التداول السلمي للسلطة.. فالحوار الذي ينتهي بتوزيع المناصب دون معالجة جذور الأزمة لن يكون سوى هدنة سياسية مؤقتة.

*من تضحيات الميدان إلى حكمة السياسة: إن أعظم تكريم لتضحيات القوات المسلحة السودانية هو تحويل الصمود الوطني إلى مشروع لبناء مستقبل الدولة. ويأتي الحوار السوداني– السوداني كاستحقاق وطني يقوم على استيعاب جميع مكونات المجتمع، واحترام مؤسسات الدولة والسيادة الوطنية، وصون حقوق المواطنين، ومنع استخدام السلاح في التنافس السياسي. فالسلام المستدام لا يتحقق بتجاهل دروس الحرب ولا باستمرارها، وإنما بتحويل تضحياتها إلى توافق سياسي وإرادة وطنية تعيد بناء الدولة على أسس الوحدة والسيادة والمواطنة والسلام.