آخر الأخبار

ردا على الاتهامات الإثيوبية.. لماذا سارع السودان نفي تورطه في دعم تغراي؟

تقرير- الطيب عباس:
لم تنتظر الحكومة السودانية طويلا للرد على مزاعم إثيوبية بدعم جبهة تحرير تغراي المناوئة لجيش ٱبي أحمد، ولم تنتظر حتى أن يستوي الاتهام ليصبح رسميا، وإنما ردت على تصريحات قائد الجيش الأثيوبي التي اتهم فيها السودان ومصر بدعم التغراي.

بيان الحكومة السودانية جاء على لسان الناطق باسم القوات المسلحة، العميد عادل عوض، بكلمات قاطعة لا تحتمل التأويل، أمن البيان أولا على سياسة السودان وجيشه في عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهي سياسة راسخة ومعلومة في المحيط الإقليمي منذ استقلال السودان، حيث ظل الجيش السوداني يمثل طيلة هذه الفترة رمانة الاستقرار الإقليمي ولم تصدر منه أي أفعال تمثل مصدرا للتوترات الإقليمية.

إذن ما الذي حدث ودفع أثيوبيا لأول مرة لتوجيه اتهامها للسودان بدعم تغراي رغم اشتعال جبهة تغراي منذ العام 1975؟، بيان الجيش السوداني تطرق لهذه النقطة ضمنيا بقوله، إن الاتهامات الأثيوبية لا أساس لها من الصحة، في وقت تتوافر فيه معلومات ووقائع عن استمرار دعم وإسناد مليشيا آل دقلو الإرهابية من الأراضي الإثيوبية، بما في ذلك التدريب والإمداد واستخدام الأراضي الإثيوبية في أنشطة عسكرية (الطائرات المسيرة الاستراتيجية والانتحارية)، وتعني هذه العبارات وفقا لمراقبين أن الحكومة السودانية باتت تدرك أن صدور الاتهامات الإثيوبية لأول مرة في تاريخ البلدين مردها للمؤامرة الإثيوبية في دعم مليشيا الدعم السريع، والتي تصور لها أن السودان سيقدم على لعب نفس الدور بدعم المعارضة الإثيوبية المسلحة، ومن هنا انطلقت الاتهامات الأثيوبية، لكن الواقع على الأرض بحسب المراقبين يشير إلى سياسة الحكومة السودانية الداعمة لتهدئة الأوضاع مع أثيوبيا وعدم فتح جبهات جديدة، سيما مع دولة جارة.

عندما قيام حرب تغراي في 2020 لجأ نظام ٱبي أحمد، إلى إريتريا كشماعة يعلق عليها اختلالات الحرب، متهما إياها بدعم التغراي، وإثارة البلبلة بأثيوبيا، لكن هذه المرة وفقا للباحث دكتور محمد المصطفى وجدت السودان كحائط قصير وسارعت بالاتهام دون دليل أو تثبت، بطريقة يراها المصطفى، محاولة من ٱبي أحمد لتحويل الأنظار عن الأزمات والصراعات الداخلية عبر إيجاد عدو أو طرف خارجي يُحمَّل المسؤولية.
فيما اعتبر أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، دكتور الفاضل محمد محجوب، الاتهام الإثيوبي المتسرع للسودان، محاولة خبيثة من ٱبي أحمد لشرعنة دعمه لمليشيات الدعم السريع مستقبلا وغسل مساندته السابقة لمليشيا حميدتي، بتصوير الأمر وكأنه عمل متبادل ورد فعل، ينتهي بتوريط السودان في فعل لم يقم به وتبرئة نظام ٱبي أحمد من فعل قام به وهو دعم الجنجويد.
يقرأ مراقبون، نفي الجيش السوداني الحاسم من زاوية أنه يريد إغلاق جميع هذه الأبواب التي تبرر للنظام الإثيوبي التمادي في دعم مليشيا الجنجويد، وعدم منحه فرصة للجرأة في تبني هذا الدعم الذي لا يزال بشكل متخفي، ويرى دكتور محمد المصطفى، أن الحكومة السودانية تنظر لنظام ٱبي أحمد كنظام مسلوب الإرادة فيما يتعلق بالموقف من حرب السودان، حيث ينفذ في أجندة تخص ٱخرين بالترغيب أو الترهيب، وبالتالي فإن جميع التحركات السودانية الرسمية تسعى لعزل نظام ٱبي أحمد من هذه الدائرة الخبيثة وتحوله لجار صالح، بدون أن تفتح جبهة عداء علنية معه، على الأقل في هذا التوقيت.
على الواقع فإن السودان سعى للتهدئة مع أثيوبيا، مكتفيا بالإشارة لدعمها لمليشيا الجنجويد دون أن يفتح هذا الملف مع الاتحاد الإفريقي أو حتى منظمة إيغاد، لكن بيان الجيش السوداني حمل رسائل واضحة في التعامل مع التطورات الأثيوبية، أكد أولا التزام السودان بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ثم عاد وأكد أنه لن يسمح بالمساس بسيادته أو أمنه الوطني، مشددا على أن القوات المسلحة السودانية ستظل يقظة في حماية حدود الوطن وسيادته، وقادرة على التصدي لكل ما يهدد أمنه واستقراره، وهى رسالة تعني بحسب مراقبين أن الجيش السوداني فعل وضعية الدفاع عن حدوده، وهى حالة تعني وضع القوات على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي اعتداءات داخل الحدود السودانية.
ومع أن بيان الجيش دعا أثيوبيا إلى تحري الدقة والمسؤولية، والاحتكام إلى الحوار والقنوات الرسمية، بما يحفظ أمن واستقرار البلدين والمنطقة، غير أن خبرا تسلل أمس الاثنين، يتحدث عن رفض الخارجية السودانية منح مدير المخابرات الإثيوبية تأشيرة دخول، بعدما تقدم الأخير بطلب زيارة عاجلة للبلاد، صحيح أن الخبر لم تعلنه أو تؤكد مصداقيته جهة رسمية، لكن تداوله الكثيف بهذه الصيغة وفق مراقبين يعكس المزاج الشعبي الرافض لأي تقارب مع أديس أبابا، وذلك نظرا إلى أن تداول الخبر حمل نوعا من الارتياح الذي كان واضحا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

بناءا على ذلك، فإن مراقبون يرون أن أثيوبيا فقدت المزاج السوداني الشعبي، بدعمها غير المبرر لمليشيا الجنجويد، وهو فقدان لا تعوضه زيارة شكلية حتى ولو صدقت، وفي الخاطر زيارة ٱبي أحمد لبورتسودان في يوليو 2024 ، التي احتفى بها السودانيون كأول زيارة لرئيس دولة للسودان في أزمنة الحرب، ومع ذلك فإن الزيارة أعقبتها طعنة غادرة قام بها ٱبي أحمد نفسه، الأمر الذي ترك ندوبا في الوجدان السوداني لن تمحيه توهمات دعم السودان لجبهة تحرير تغراي.