
حظر إستيراد الفول المصري بين الربح والخسائر
قبل المغيب
عبدالملك النعيم احمد
*أصدر مجلس الوزراء قبل عدة شهور قراراً بحظر (48) سلعة بما فيها إحتياجات الأطفال وبعدها بقليل صدر قرار آخراً من وزيرة التجارة والصناعة محاسن علي يعقوب بتقليصها إلى (32) سلعة دون تبريرات منطقية في كيفية وآلية تحديد السلع وأنواعها…وعادة ما تأتي المبررات لإتخاذ مثل هذه القرارات منطقية ومقبولة من حيث الشكل من شاكلة حماية الانتاج المحلي وتشجيع الصناعة الوطنية وحماية المنتج وتقليل الصرف على الاستيراد وغيرها من الأسباب مع التجاهل التام للآثار السالبة على المواطن من حرمانه من هذه السلع التي يحتاج لمعظمها بشكل يومي..لذلك تظل قرارات غير مدروسة بل غير متفق عليها حتى من الوزراء المعنيين وما التعديل الذي يحدث في صلب القرار قبل مرور أربع وعشرين ساعة على صدوره إلا دليلاً على هذا التخبط والتعجل في اتخاذ مثل هذه القرارات الخطيرة والتي أول من يدفع ثمنها هو المواطن المغلوب علي أمره ومثل هذا الوصف للقرارات كثيرا ما يزعج ويثير رئيس مجلس الوزراء ويجعله أكثر إنفعالاً كما حدث مؤخراً خلال لقائه بالإعلاميين والصحفيين عندما رد بعنف وحدة على الدكتورة بخيتة أمين عندما سألته عن قرار عودة الجامعات أو وصفه للأستاذ عادل الباز بأنه غير دقيق وأن اتهامه غير صحيح عندما حدد له بعض أوجه الفساد لبعض المستشارين الموجودين بالخارج ومازالوا يتقاضون حوافزاً بآلاف الدولارات دون أن يكون لهم وجودا فعلياً أو تأثيراً مباشراً على الملفات التي يفترض أنهم يديرونها ولعل الحديث في مثل هذه التجاوزات يطول إن أخذنا نماذجاً فقط بتهريب الذهب بالأطنان أو عمليات سوء الإدارة التي تصاحب استيراد الوقود والمحروقات والشح الذي تعاني منه البلاد هذه الأيام ورئيس الوزراء يكذب الواقع المعاش بقوله أنه لا توجد أزمة في الوقود وصفوف السيارات وخلو معظم الطلمبات من العربات يعبر عن الحال ولا يحتاج لمتون وحواشي.
*مناسبة حديث اليوم هو قرار وزير الزراعة والري دكتور عصمت قرشي بحظر إستيراد الفول المصري من كل الدول ولفترة سريان مفتوحة وحسب بيان الوزارة أن القرار صدر بناءاً على توجيهات رئيس مجلس الوزراء لتقديرات إقتصادية بالطبع وأولى الملاحظات أن القرار لم يكن لأسباب خاصة بالزراعة من حيث سلامة وجودة الفول المصري المستورد أو من حيث تقاوي هذا النوع من الفول المستورد وضرره على صحة المواطن أو على الزراعة لكانت جهة إصدار القرار مقبولة وصاحبة إختصاص ولكن طالما أن أسباب الحظر إقتصادية بحتة فكان الأوفق عندي أن يصدر القرار مباشرة من رئيس مجلس الوزراء كما أصدر قرارات سابقة بحظر عدد من السلع كما أشرنا لذلك أو كان الأفضل أن يصدر من وزارة التجارة والصناعة المعنية باستيراد السلع أو حتى من وزارة المالية المعنية بالتمويل مع بنك السودان أما وزارة الزراعة والري فلها من الإهتمامات والمسؤوليات ما يكفي والموسم الزراعي الشتوي قد دخل بالفعل ومشاكل الري وشح الأمطار هذا الخريف لا يخفى على أحد ويعتبر أكبر مهدد للعروة الشتوية فكنا نتوقع أن نسمع من وزارة الزراعة والري ما يطمئن على نجاح الموسم الشتوي وماهي التحوطات التي اتخذتها لتفادي أي نقص متوقع في الغذاء بدلاً عن قرار حظر الفول المصري أو أي سلعة أخرى بإعتبارها ليست جهة إختصاص مباشر بأمر الإستيراد.
*فالأسباب التي وردت في بيان وزارة الزراعة مبرراً لإتخاذ القرار أو الاهداف التي يراد من القرار تحقيقها هي أهداف متفق عليها وضروية ويجب تحقيقها بأسرع ما يمكن ولكن السؤال هل تلك الاهداف ستتحقق لمجرد حظرت الوزارة استيراد الفول المصري؟.. وهل هو القشة الوحيدة التي قصمت ظهر الإقتصاد السوداني ورفعت سعر الصرف وأوقفت عجلة الإنتاج المحلي والوطني؟..وهل فعلاً إستيراد الفول المصري أصبح مهدداً للإنتاج المحلي من هذه السلعة؟.. وهل الآن هناك وفرة حقيقية في الأسواق أدت إلى خفض أسعاره؟ ..قطعا الإجابة لا مغلظة…فابحثوا عن الأسباب الجوهرية التي أدت لتدهور الإقتصاد لا الأسباب الهامشية أو الجانبية.
*فالأسباب التي ذكرت تبدو منطقية وأهداف لابد من تحقيقها وردت في صلب قرار وزير الزراعة والري تبريرا لقرار حظر الفول المصري وهي دعم الإقتصاد الوطني، تنظيم الإستيراد، حماية المنتجين وأخيراً تشجيع الإنتاج المحلي..السؤال الذي يطرح نفسه هو هل الآن ولحظة وقف الاستيراد هل الانتاج المحلي يغطي إحتياجات السوق والمواطن خاصة أن الفول أصبح هو الغذاء الشعبي الأكثر إستهلاكاً وكان أقل تكلفة قبل أن يصل الطلب الواحد فيه الآن لعشرة آلاف جنيه؟ فكم سيصل بعد وقف إستيراده والمدارس والجامعات على الأبواب والوزارات تعلن عن فتح أبوابها لإستقبال العاملين؟ أما كان الأفضل التريث قليلاً قبل إصدار القرار وقراءة السوق وإنتظار الإنتاج الجديد من الفول المصري دخول السوق ومعرفة الكمية المنتجة محلياً ومقارنتها بحجم الإستهلاك الحقيقي ومع ذلك اني على قناعة أنه ستكون هناك فجوة بين الانتاج المحلي والاستهلاك تستوجب استيرادها من الخارج.
*القرار يصدر الآن وهناك فجوة في الامطار تحدثت عنها الفاو والوزارة نفسها وعاشها المزارع على الواقع مما ستؤثر بالضرورة على حجم المساحات المزروعة من كل السلع بما فيها الفصول المصري والسلع التي تم حظرها سابقاً فما هي رؤية مجلس الوزراء ووزارات القطاع الإقتصادي لحلها؟.
*إن قرار الحظر في ظل الندرة في السلعة وحاجة المواطن لها سيفتح قنوات التهريب من أوسع أبوابها وهي أصلاً فاتحة في تهريب الذهب وحتى المخدرات للأسف أيضاً فهل هناك أي إجراءات تم اتخاذها تحوطاً؟ ..إن التهريب سيفتح الباب امام السوق الموازي للعملات الأجنبية وبالتالي سيساعد القرار في استمرار تدهور سعر الصرف بأكثر مما هو عليه الآن من تدهور وتراجع.
*ففي تقديري أن الكثير من توجيهات رئيس مجلس الوزراء وقراراته وقرارات بعض الوزراء والتي هي في الأصل مرجعيتها مجلس الوزراء تحتاج للمزيد من الدراسة قبل اتخاذها واصدارها وتحتاج تلك القرارات التي صدرت للمراجعة والتقييم والإصلاح إن أمكن بدلاُ عن نقول التراجع عنها إن كان هذا التراجع عنها هو أيضاً مطلوب إن ثبت فعلاً أن ضررها أكبر من نفعها أو أنها لم ولن تحقق الأهداف التي صدرت من أجل تحقيقها.
*ختاما نكرر أن المعالجات الإقتصادية التي ظلت تصدر من مجلس الوزراء وعدد من اللجان التي شكلت لهذا الأمر لم تحقق أهدافها ودونكم التدهور المستمر في سعر الصرف وأزمة الوقود الطاحنة التي تشهدها البلاد الآن والغلاء الفاحش الذي يسحق المواطن… فإن كان هذا هو الواقع المعاش فما هو جدواها إذن؟.. ليت قومي يعلمون.