
إلى متى يواصل هذا ال(بولس) إرباك المشهد السوداني؟
عمرو خان
*إلى متى سيظل مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، يدلي بتصريحات من شأنها زعزعة الثقة بين القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة، وبين رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان والشعب السوداني؟
نحن نتابع عن قرب كل شاردة وواردة في تصريحات هذا (البولس)، ولسنا سعداء بما ترمي إليه عباراته من مقاصد، خصوصًا حين يعلن تارةً عدم قبوله بشرعية القوات المسلحة السودانية في الدفاع عن مقدرات الشعب السوداني، في مساواة نراها مجحفة وظالمة وغير منصفة بين جيش دولة وقوات الدعم السريع، وهي ميليشيا متمردة على الدولة.. وبيد أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يملك مسعد بولس للسودان وشعبه عدلًا أو ظلمًا؟ وهل له ناقة أو جمل في تفاصيل هذا الصراع السوداني المعقد؟.
*في تقديري، لا يتجاوز الأمر كونه جزءًا من سياسة إدارة أمريكية تسعى إلى فرض وضع سياسي في السودان يتناغم ويتسق مع رؤيتها ومصالحها، ومصالح حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم إسرائيل، في منطقة القرن الإفريقي وساحل البحر الأحمر، بما تمثله هذه الرقعة الجغرافية من أهمية استراتيجية وتأثير مباشر في موازين القوى الدولية.. ويعود السؤال نفسه مرة أخرى: إلى متى سيظل مسعد بولس يلخبط أوراق المشهد السوداني؟
*فالمشهد السوداني يحمل بالفعل ما يكفي من السيناريوهات والتعقيدات، وليس بحاجة إلى مزيد من التصريحات التي تزيد المشهد ارتباكًا، خصوصًا في ظل الحديث عن الحوار السوداني-السوداني، الذي لم يجد حتى الآن المناخ السياسي والأمني الملائم لانطلاقه، وسط صخب الصراعات والمعارك الدائرة في المنطقة برًا وبحرًا وجوًا ..الحرب السودانية وحدها كفيلة بإجهاض أي حوار سياسي جاد، بالنظر إلى حجم المتغيرات التي تفرزها المعارك الميدانية يومًا بعد آخر.. ولا شك أن الانتصارات العسكرية التي تحققها القوات المسلحة السودانية تدفع القيادة السودانية إلى التمسك بخيار استكمال العمليات العسكرية حتى استعادة السيطرة على كامل الأراضي السودانية، وهو ما أكده الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في تصريحاته الأخيرة من منطقة أمري بالولاية الشمالية، ردًا على التصريحات الأمريكية الأخيرة.
*فكيف يمكن، في ظل هذا الواقع العسكري المتحرك، أن تفرض القوى السياسية أجندة حوار أو تسوية سياسية نهائية بينما لا تزال خرائط السيطرة على الأرض تتغير؟..وإذا انتقلنا جنوبًا إلى الجوار السوداني، وتحديدًا إلى إثيوبيا، فإن المشهد هناك ليس أقل اضطرابًا.. فالشارع الإثيوبي يعيش حالة من التوتر، فيما تعود قضية تيغراي إلى الواجهة بين الحين والآخر، وسط صراع سياسي وأمني لم تُغلق ملفاته بصورة نهائية بين الحكومة المركزية والقوى والتيغراوية.. كما تثير الأوضاع السياسية الداخلية في أديس أبابا أسئلة أخرى تتعلق بمستقبل السلطة، في ظل استمرار التوتر بين الحكومة والمعارضة، وما يرافق ذلك من احتقان سياسي وأمني.
*ولا يتوقف الصخب عند الحدود الإثيوبية؛ فالضفة الشرقية للسودان تشهد بدورها تطورات سياسية وأمنية متلاحقة في الصومال وأرض الصومال، بينما يظل البحر الأحمر ومضيق باب المندب جزءًا من مشهد إقليمي شديد الحساسية، تتداخل فيه حسابات القوى المحلية والإقليمية والدولية.. كل هذا الصخب السياسي والعسكري قادر على تعكير صفو الإقليم بأكمله، وليس فقط تعطيل مناخ الحوار السوداني-السوداني.
*ومن هنا يعود السؤال الأكثر أهمية: لماذا يهتم مسعد بولس بالسودان بهذا القدر؟ ولماذا لا نرى منه الاهتمام نفسه بتطورات إثيوبيا والصومال والقرن الإفريقي، وهي أزمات لا تقل خطورة وتأثيرًا على المصالح الأمريكية؟.. فالتصريحات التي تصدر عن بولس بشأن السودان كثيرًا ما تأتي في صورة تحذيرات أو تهديدات سياسية، أو تتضمن توصيفات تثير جدلًا واسعًا بشأن طبيعة الصراع وشرعية أطرافه. والأهم من ذلك أن بعضها يأتي متزامنًا مع قرارات أمريكية تجاه السودان، أو يسبق خطوات وعقوبات أو شروطًا سياسية، بما يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد تصريحات عابرة.. وهنا تكمن خطورة المسألة.
*فحين يتحدث مسؤول أمريكي بهذا المستوى عن شكل الدولة السودانية، أو عن شرعية مؤسساتها، أو عن مستقبل مكوناتها السياسية والعسكرية، فإن تصريحاته لا تبقى في إطار الرأي الشخصي، وإنما تُقرأ باعتبارها مؤشرًا على توجهات الإدارة الأمريكية وموقفها من مستقبل السودان.. والسؤال الأخطر: هل نحن أمام محاولة للتأثير في مسار الحرب فقط، أم أمام محاولة مبكرة لتحديد شكل السودان السياسي بعد الحرب؟.
*إذا كان الهدف هو الضغط من أجل وقف الحرب، فليكن ذلك عبر طرح واضح ومتوازن يضع وحدة السودان وسيادته ومؤسسات دولته في المقدمة، لا عبر مساواة طرف يمتلك مؤسسات الدولة وقوات مسلحة نظامية بميليشيا متمردة حملت السلاح في مواجهة الدولة.. أما إذا كان الهدف يتجاوز وقف الحرب إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني، فإن الخرطوم، وكذلك الشعب السوداني، من حقهما أن يعرفا بوضوح: من يملك حق تحديد مستقبل السودان؟ السودانيون أم العواصم الخارجية؟..السودان ليس فراغًا سياسيًا يمكن ملؤه بالتصورات القادمة من الخارج، وليس ساحة مفتوحة لإعادة هندسة التوازنات وفق مصالح الآخرين.
*والأهم أن أي عملية سياسية قادمة لن تنجح إذا جرى فرضها من الخارج أو إذا تجاهلت المتغيرات التي صنعتها الحرب على الأرض.. فالسودانيون وحدهم هم من سيدفعون ثمن أي تسوية لا تراعي حقيقة الواقع، وهم وحدهم من يملكون الحق في تحديد شكل دولتهم ونظامهم السياسي ومستقبلهم.. أما مسعد بولس، فربما يحتاج إلى أن يدرك أن كثرة التصريحات لا تعني بالضرورة امتلاك مفاتيح الحل.
*فالسودان أكبر من تصريح، وأعقد من رؤية أمريكية، وأبعد من أن يُختزل مستقبله في حسابات القرن الإفريقي والبحر الأحمر.. ولعل الرسالة الأوضح التي ينبغي أن تصل إلى واشنطن هي أن السودان يريد السلام، لكنه لا يريد سلامًا يُفرض عليه، ويريد الحوار، لكنه لا يريد حوارًا يُدار من الخارج، ويريد إنهاء الحرب، لكنه لا يقبل أن تكون نهاية الحرب بدايةً لفرض وصاية سياسية جديدة على بلاده.
*ويبقى السؤال مفتوحًا إلى متى سيظل مسعد بولس يتدخل بتصريحاته في المشهد السوداني، وهل تأتي هذه التصريحات بحثًا عن السلام فعلًا، أم أنها جزء من محاولة أمريكية مبكرة لرسم ملامح السودان الذي سيأتي بعد الحرب؟.
كاتب صحفي مصري