الذكاء الاصطناعي …الخطر الذي يهدد هوية الثقافة السودانية
- بشرى : لايمكن فتح الأبواب بلا شروط ويجب أن يكون الأستخدام في حدود
- اسماعيل: الذكاء لايمكن أن ينتج أصواتا أجمل من وردي وإبراهيم عوض
إعداد – هيثم السيد:
باتت إستخدامات تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتطورة تشكل خطرا كبيرا على الحركة الفنية والابداعية الطبيعية، بعد أن دخل الذكاء مرحلة صناعة الأعمال الموسيقية في ثوان معدودة وهى التي تستغرق أوقاتا طويلة عند انتاجها الطبيعي ،وظهرت في الميديا قبل فترة أغنيات سودانية مصنوعة عبر الذكاء الاصطناعي أثارت جدلا واسعا وسط فئات المهتمين بالغناء والفنون، بحساب أن ماحدث يشكل خطرا على الفن السوداني من زواية فقدان الهوية وطمس الملامح ،كما أنه يشجع على استسهال الانتاج الفني ويلغي أدوارا كبيرة ومهمة في عملية صناعة الاغاني.
الشاعر الأستاذ بشرى سليمان الباحث في الثقافة علق على الظاهرة متسائلا حول فرضية قبول الذكاء الاصطناعي ورفضه وقال:
هذا سؤال تجاوزه الزمن قبل أن يبدأ الجدل حوله.. الذكاء الاصطناعي دخل بالفعل إلى صناعة الموسيقى، كما دخل من قبل التسجيل متعدد المسارات، والآلات الإلكترونية، والبرامج الرقمية، وتقنيات التوزيع والمكساج. ولن تعيده المخاوف إلى خارج الاستوديو، ولن توقفه البيانات الاحتجاجية ولا الحنين إلى زمن كانت فيه الأغنية تُصنع بالطريقة التي ألفتها الأذن ،لكن تجاوز سؤال القبول والرفض لا يعني أن نفتح الباب للذكاء الاصطناعي بلا شروط، أو أن نعتبر كل اعتراض عليه دليلاً على الجهل بالتطور. فثمة فارق جوهري بين مقاومة التكنولوجيا، وبين مساءلة الطريقة التي تُستخدم بها، وبين الدفاع عن حقوق المبدع وخصوصية الذاكرة الموسيقية.. ومن هنا تبدو أهمية المقال الذي كتبه الناقد الفني صلاح شعيب، لا باعتباره نهاية النقاش، وإنما بوصفه مدخلاً إلى نقاش أكثر تعقيداً، لقد أصاب صلاح شعيب في استدعاء تجربة (التراكس) التي دخلت إلى الإنتاج الموسيقي السوداني في التسعينيات.. فقد احتاجت تلك التقنية إلى وقت حتى تتقبلها الأذن والوسط الموسيقي، ثم أصبحت جزءاً طبيعياً من أدوات الإنتاج.
وهذه واقعة مهمة؛ لأن تاريخ الفن نفسه يؤكد أن التقنيات الجديدة لا تأتي دائماً في صورة مكتملة، وأن كثيراً مما يبدو غريباً في بدايته يتحول لاحقاً إلى جزء من المألوف.
غير أن المقارنة بين (التراكس) والذكاء الاصطناعي، رغم وجاهتها من زاوية تاريخ التطور التقني، لا ينبغي أن تُدفع إلى نهايتها المنطقية باعتبارهما شيئاً واحداً
فالتسجيل متعدد المسارات غيّر طريقة تنفيذ العمل الذي ما يزال الإنسان هو صاحبه ومؤلفه ومؤديه؛ أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فيستطيع أن يتدخل في مراحل أعمق بكثير: يقترح اللحن، ويولد الهارموني، ويصنع التوزيع، ويقلد الصوت، بل يستطيع إنتاج أغنية كاملة انطلاقاً من وصف قصير، وهنا يبدأ السؤال الأصعب.
قضية مختلفة:
ويمضي الشاعر الأستاذ بشرى سليمان في القول عندما يستخدم الموسيقار الذكاء الاصطناعي لتجريب توزيع، أو البحث عن احتمالات هارمونية، أو تسريع عمل تقني، فإننا أمام أداة جديدة في يد مبدع، أما عندما تُستخدم الخوارزمية لإنتاج عمل كامل بلا مؤلف موسيقي حقيقي، أو لاستنساخ صوت فنان راحل، وإيهام الجمهور بأنه يغني عملاً جديداً، فإننا أمام قضية مختلفة تماماً، قضية تتصل بمفهوم التأليف والهوية والملكية الفكرية والأخلاق وحق الفنان في صورته وصوته وذاكرته.
ويقول لهذا فإن العبارة التي تبدو جاذبة (المشكلة ليست في وجود الأداة، بل في كيفية استخدامها)، تحتاج إلى قدر من التحفظ .. فالمشكلة أحياناً تكون في الأداة نفسها حين تُستخدم في سياق لا تحكمه قواعد واضحة. ليست كل التقنيات محايدة تماماً في آثارها الاجتماعية والثقافية.. والذكاء الاصطناعي ليس مجرد آلة موسيقية جديدة؛ إنه منظومة قادرة على إعادة تركيب المعرفة، والأصوات، والأنماط الموسيقية الموجودة قبله، ثم تقديمها في أشكال جديدة قد لا يعرف الجمهور مصدرها.. وهنا تحديداً تصبح المسألة السودانية أكثر حساسية.
هوية الأغنية:
الأغنية السودانية ليست مجرد صوت ولحن وإيقاع إنما وراءها تاريخ طويل من التراكم الجمالي، ومن السلالم اللحنية والإيقاعات والطرائق الأدائية واللغة والصوت الخاص بالمغني. ولذلك فإن إنتاج أغنية تُشبه الأغنية السودانية بواسطة الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة إنتاج أغنية سودانية.. قد يستطيع البرنامج تقليد بعض السمات السطحية: الإيقاع، الخماسي، بعض الزخارف، أو يقارب اللهجة، لكنه لا يضمن بالضرورة ذلك الحس الذي يجعل العمل منتمياً إلى التجربة السودانية، لا مجرد محاكاة لها.
وهنا تكمن واحدة من أخطر المغالطات في التعامل مع الذكاء الاصطناعي الخلط بين المحاكاة والهوية، يمكن للآلة أن تقلد البنية، لكنها لا تملك بالضرورة الذاكرة التي أنتجت البنية.. يمكنها أن تحاكي صوتاً، لكنها لا تحمل سيرة صاحبه .. يمكنها أن تستعيد لوناً موسيقياً، لكنها لا تعيش التجربة الاجتماعية التي جعلت ذلك اللون ممكناً
ويقول الشاعر الأستاذ بشرى سليمان لذلك فإن استنساخ أصوات وردي أو الكاشف أو أحمد المصطفى أو الجابري أو زيدان، مثلاً، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد لعبة تقنية أو تجربة شبابية بريئة.. فهناك سؤال سابق على جودة الناتج:
من منح الإذن باستخدام صوت الفنان؟ ومن يملك حق إعادة إنتاجه؟ وهل يجوز أن يُستدعى صوت الفنان الراحل ليغني كلمات لم يقلها، أو لحناً لم يؤده، أو عملاً ربما لم يكن ليوافق عليه؟، هذه ليست أسئلة ضد التكنولوجيا، وإنما هي أسئلة لحماية الإنسان من سوء استخدام التكنولوجيا ،ومن جهة أخرى، لا يصح أن يتحول الدفاع عن حقوق المبدعين إلى موقف عدائي من كل تجربة جديدة.. فالموسيقي الذي يرفض الذكاء الاصطناعي من حيث المبدأ قد يجد نفسه بعد سنوات أمام واقع إنتاجي لا يستطيع التعامل معه.. والأجدى أن يتعلم الموسيقي السوداني هذه الأدوات، وأن يدخل إليها وهو يحمل معرفته الموسيقية، لا أن يدخلها فارغاً فتملأه الخوارزمية بقوالب جاهزة.
فقدان السيطرة:
ويخلص الشاعر الأستاذ بشرى سليمان إلى القول إن كانت الجامعات والمعاهد الموسيقية، والمؤسسات الثقافية واتحادات الفنانين لا تدرس هذه التحولات، ولا تضع قواعد مهنية للتعامل معها، ولا تقدم تدريباً للموسيقيين، ولا تفتح نقاشاً حول حقوق الأصوات والملحنين والشعراء، فإن ترك الساحة للخوارزمية وللهواة ولمنصات الإنترنت يعني أن مستقبل الموسيقى السودانية سيُرسم خارج المؤسسات التي يفترض أن تحميها نحن لا نحتاج إلى مؤسسة تقول للموسيقي: (لا تستخدم الذكاء الاصطناعي).. نحتاج إلى مؤسسة تقول له: تعلم استخدامه، واعرف حدوده، واحترم حقوق الآخرين، ولا تسمح له بأن يصبح بديلاً عن معرفتك الموسيقية.
تغيير أصوات المطربين:

يقول الفنان الموسيقي اسماعيل عبدالقادر، وهو مهندس صوت أنتج العشرات من ألبومات الكاسيت في عهد مضي ،انه يمكن استخدام الذكاء في معالجة الأخطاء في الاغنيات الموزعة ،لكن غير المقبول ان يتم أستخدامه في تغيير اصوات المطربين بلهجات مختلفة،هذا تشويه وتغيير متعمد ومرفوض، ونخشى على أغنيات الرواد من التشويه والتغيير ،وأصوات الذكاء ليست أجمل من أصوات ابراهيم عوض وسيد خليفة ووردي وعبدالعزيز داؤود.
قيود قانونية:
أزمات الذكاء الأصطناعي لا تتعلق بالأغنية المنتجة فقط، المفارقة أن الخلاف الأكبر قد لا يكون حول الأغنية التي تنتجها الخوارزمية، بل حول الأغاني التي تعلمت منها الخوارزمية، فنماذج توليد الموسيقى تحتاج إلى كميات هائلة من البيانات لتتعلم الأنماط الموسيقية، وهو ما دفع أصحاب الحقوق وشركات التسجيل إلى التساؤل عما إذا كان بإمكان شركات الذكاء الاصطناعي استخدام أعمالهم المحمية في تدريب نماذجها دون الحصول على تراخيص أو دفع مقابل مالي، وهذه إشكالات تواجه المنتجين لأعمال الذكاء.