
حميدتي… محاولة استدعاء الماضي لمواجهة مستقبل الحرب
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*قبل يومين، وفي خطاب واحد مدته حوالي اربع دقائق، عاد المتمرد وقائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)وهو يخاطب مجموعة من قواته عشرين عاماً إلى الوراء، حيث وعد قواته بالتقدم إلى الأمام.. واستدعى معارك عام 2006م، وتحدث عن تعزيزات قادمة وترقيات ميدانية، وألحّ على أن زمن الكلام انتهى.. وبين الماضي الذي يستنجد به والمستقبل الذي يعد به، تتكشف ملامح المأزق الذي تواجهه مليشيا قوات الدعم السريع في حرب تغيرت أدواتها، وأصبحت حسابات الميدان تفرض أسئلتها على خطاب القيادة.
*اللافت في حديث حميدتي كثافة التطمينات وتكرار الوعود.. (اليوم يوم فعل، ما يوم كلام)، عبارة أعادها بصيغ متعددة، مقرونة بالتأكيد على وصول قوات جديدة، واستكمال ترتيبات لم يكشف طبيعتها، ووعده بالوجود في المقدمات.. وفي سياق الضغوط العسكرية، يمكن قراءة هذا الإلحاح باعتباره محاولة لتجديد الثقة ورفع المعنويات، وإقناع المقاتلين بأن القيادة ما زالت تمتلك القدرة على تغيير مسار المواجهة. فالتعبئة المعنوية تكتسب أهمية مضاعفة عندما تتزايد التساؤلات حول اتجاه المعارك.
*وتتضح دلالات الخطاب عند ربطه بالتطورات الميدانية في كردفان، حيث أعلنت القوات المسلحة استعادة بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وسودري وعدد من المواقع الأخرى آخرها المزروب.. وتكتسب كردفان أهميتها من موقعها الاستراتيجي الذي يربط دارفور بوسط السودان، ويجعل السيطرة على طرقها ومحاورها مؤثرة في حركة القوات والإمداد والمناورة. وإذا استقر تقدم الجيش واتسعت نتائجه، فقد تواجه المليشيا صعوبات متزايدة في المحافظة على خطوط اتصالها وإعادة تجميع قواتها. ومن هنا تبدو وعود حميدتي بالتعزيزات محاولة لإظهار أن التراجع قابل للاحتواء، وأن قواته ما زالت تحتفظ بإمكانات لتعديل موازين القوة.
*أما استدعاؤه لمعارك عام 2006م، ومقارنته بين ستين عربة امتلكتها قواته وألف عربة قال إن خصومه امتلكوها حينها، فيكشف عن محاولة لاستعادة الذاكرة القتالية التي تأسست عليها تجربته.. فقد ارتبط صعود تلك المجموعات بالحركة السريعة والمباغتة والاستفادة من طبيعة الأرض. لكن المفارقة أن حميدتي، وهو يدعو إلى العودة إلى (شغلنا زمان)، يعترف بأن الحرب أصبحت حرب مسيّرات ووسائط إلكترونية. وهنا تتجلى الفجوة بين خبرة صنعتها ظروف الأمس ومتطلبات تفرضها تكنولوجيا اليوم؛ فالتاريخ قد يمنح المقاتلين الثقة، لكنه لا يوفر بالضرورة القدرة على مواجهة حرب تغيرت قواعدها.
*وثمة مفارقة تاريخية أعمق؛ فحميدتي يستحضر مرحلة كانت فيها المجموعات المسلحة التي قادها تتحرك في إطار ترتيبات أمنية ارتبطت بسلطة الدولة، قبل أن تتطور لاحقاً إلى قوات الدعم السريع التي تخوض اليوم حرباً ضد الجيش السوداني.. وبين المرحلتين تغير موقع القوة التي يقودها وطبيعة الخصم والغاية السياسية. فالقوة التي نشأت في ظل الدولة، واستمدت جانباً من نفوذها وإمكاناتها من مؤسساتها، أصبحت تنازعها اليوم سلطتها على الأرض. وهذا التحول يجعل استعادة أساليب الماضي أكثر تعقيداً، بعدما تبدلت البيئة السياسية والعسكرية التي منحت تلك الأساليب فعاليتها.
*وفي حديثه عن الترقيات الجماعية والميدانية، تظهر محاولة لتعزيز الولاء وتحفيز المقاتلين، لكنها تثير أيضاً تساؤلات حول معايير الكفاءة والانضباط داخل تشكيلات تتداخل فيها الروابط الشخصية مع التسلسل القيادي.. ويكتسب انشغاله بالشائعات دلالة مماثلة، خاصة حين استدعى أحد قادته لدحض رواية عن انشقاقه وتسليمه أربعين عربة.. فتخصيص مساحة لهذه الرواية يكشف إدراكاً لأثر أخبار الانشقاقات على تماسك القوات وثقتها بقيادتها.
*وعند قراءة الخطاب في مجمله، تبرز دلالة أخرى تتعلق بطبيعة القيادة وإدارة الحرب داخل المليشيا.. فقد بدا حميدتي حريصاً على تأكيد حضوره الشخصي بوصفه مصدر القرار والضمانة لتنفيذ الوعود، من الترقيات إلى التعزيزات والتحرك نحو المقدمات.. وهذا التركيز على شخص القائد يثير تساؤلاً حول مدى رسوخ البناء المؤسسي وقدرته على إدارة العمليات بمعزل عن التدخل المباشر للقيادة العليا.. كما أن غياب أي حديث محدد عن أهداف المرحلة المقبلة، مقابل الإلحاح على قرب التحرك، يوحي بأن الخطاب استهدف إعادة ضبط الحالة المعنوية أكثر من تقديم تصور عملياتي معلن.. والأهم أن حميدتي بدا منشغلاً بإقناع قواته بقدرته على تغيير الواقع، في وقت أصبحت فيه نتائج الميدان هي المعيار الذي ستُختبر به مصداقية تلك الوعود.
*غير أن الغائب الأبرز عن الخطاب كان الأفق السياسي للحرب.. فقد تحدث حميدتي عن الترقيات والتعزيزات والانتصارات المنتظرة، دون توضيح الغاية السياسية التي يفترض أن تخدمها العمليات العسكرية.. صحيح أن الخطاب موجه للمقاتلين، لكن استمرار الحرب واتساع كلفتها يجعلان السؤال عن نهايتها ومآلاتها أكثر إلحاحاً: إلى أين يريد أن يقود قواته، وما الذي يمكن أن يقدمه للسودان بعد كل هذا الدمار؟.
*وفي تقديري، فإن أحد الاحتمالات المرجحة هو محاولة المليشيا استعادة المبادأة عبر هجمات محدودة ومتفرقة، بالتوازي مع إعادة تجميع قواتها، سعياً إلى إبطاء تقدم الجيش وإثبات قدرتها على الرد.. غير أن هذا التقدير يظل مشروطاً بتطورات الميدان، وحجم القوات المتاحة، وقدرتها على المحافظة على الإمداد والتماسك.. وفي المقابل، فإن استمرار تقدم القوات المسلحة وتثبيت سيطرتها وتأمين المناطق المستعادة قد يدفع المليشيا تدريجياً من محاولة فرض مسار الحرب إلى التكيف مع مسار يفرضه خصمها.
*لقد استدعى حميدتي معارك الأمس ليقنع قواته بإمكان تكرار انتصاراتها، لكنه يواجه اليوم ظروفاً سياسية وعسكرية مختلفة جذرياً. وقد أصبحت القوة التي نشأت في ظل الدولة تخوض حرباً ضد جيشها، فيما يتجاوز اختبارها الراهن القدرة على القتال إلى القدرة على الاستمرار وتفسير الغاية من الحرب.. وربما تكمن المفارقة الأكبر في أن حميدتي يبحث في ماضيه عن مفاتيح انتصار جديد، بينما يحمل ذلك الماضي نفسه بعض أسباب مأزقه الراهن.