
السودان.. إرادة الحياة التي تعصم الأوطان من السقوط
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*تمر الأوطان أحياناً بمنعطفات تاريخية قاسية تختبر فيها صلب معادن شعوبها، وتتقاطع على أرضها ريح التحديات الجسام لتقيس مدى قدرتها على الصمود والبقاء.. وفي قلب هذه المنعطفات، يبرز المشهد السوداني المعاصر كلوحة ناطقة بالصبر الجميل والإرادة الصلبة التي تأبى الانكسار. إن قراءة متأنية في مسار الأحداث الراهنة، لاسيما ما تمخض مؤخراً عن اللقاءات الاستراتيجية الوطنية الكبرى بالخرطوم، تكشف بوضوح عن تحول نوعي من دائرة مواجهة المخاطر الوجودية إلى فضاءات التخطيط المحكم لبناء المستقبل وصياغة النهضة.
*لم تكن المعارك التي خاضها الوطن عبر قواته المسلحة بإسناد شعبي عارم مجرد جولات عسكرية عابرة، بل كانت مخاضاً حقيقياً لكسر شوكة المؤامرات واستئصال جذور الإرهاب والتخريب.. لقد أثبت الشعب السوداني، ومعه قواه الحية ومؤسساته العسكرية والوطنية، أن التضحيات الجليلة والدماء الذكية التي سالت لم تذهب هباءً، بل تحولت إلى مشاعل تنير طريق الخلاص والكرامة. هذا الصمود الأسطوري لم يكن وليد الصدفة، بل يستند إلى جذور عميقة من الوعي الوطني والإيمان المطلق بحق الحياة وحماية المكتسبات والمقدرات التاريخية.
*وعندما تتحدث القيادة التنفيذية العليا عن أن أمل وإرادة الإنسان السوداني تمثلان الحصن الأمني الأقوى، فإنها تلامس جوهر الحقيقة؛ فالأمم الحية لا تقاس ثرواتها بما تملكه في باطن الأرض فحسب، بل بما تضخه عقول أبنائها وسواعدهم من طاقة لا تنضب لمواجهة المستحيل وتحويل الدمار إلى ورش عمل وبناء.
*إن الانتقال من خندق المواجهة إلى منصات التخطيط الاستراتيجي يعكس وعياً عميقاً بطبيعة المرحلة ودقتها.. لقد جاءت مخرجات (ملتقى الأمل الاستراتيجي) لتشكل خارطة طريق عملية تتجاوز النظريات التقليدية، مستهدفة تحويل التطلعات المشروعة إلى خطط قابلة للنفاذ على أرض الواقع.. وترتكز هذه الرؤية على محاور أساسية تمس حياة المواطن اليومية مباشرة، ابتداءً من ترسيخ دعائم الأمن واستقرار المعاش، مروراً بالارتقاء بالخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، وصولاً إلى صناعة مستقبل مشرق للأجيال القادمة.
*إن التركيز على التنمية المتوازنة والمستدامة، وبناء جسور السلام كأولوية قصوى لعمليات إعادة الإعمار، يعكس فهماً دقيقاً لمتطلبات مرحلة ما بعد الصراع. فالسلام ليس مجرد توقيع على ورق، بل هو بناء مجتمعي متين يدمج طاقات الشباب والمرأة – عصب الأمة وقاطرة نهضتها- في عملية التنمية والبناء الشامل.
*إلى جانب الإرادة البشرية الصلبة، يمتلك الوطن مقومات استراتيجية هائلة تجعل منه ركيزة أساسية للأمن الإقليمي والعالمي.. فالأراضي الزراعية الخصبة، والموارد المعدنية الثمينة، والثروة الحيوانية الضخمة، والأنهار الممتدة، تشكل في مجملها مخزوناً استراتيجياً قادراً على تحقيق الأمن الغذائي والمساهمة الفاعلة في الاقتصاد الدولي.. التحدي الحقيقي لم يعد كامناً في غياب الموارد، بل في حسن إدارتها وترجمتها عبر سياسات منضبطة ومشاريع عملية غير تقليدية تعظم العائد الوطني وتنعكس إيجاباً على رفاهية المواطن واستقراره.
*إن الرهان على انكسار السودان كان رهان خاسر واهم؛ فالتاريخ علّمنا أن الشعبو العظيمة هي التي تستلهم من رماد المحن طاقة للقيام والوثوب. إن الحكومة، وهي تتأهب لتحويل التوصيات الاستراتيجية إلى أدوات عمل تنفيذية ومتابعة دقيقة، ترسل رسالة اطمئنان بالغة الأهمية مفادها أن مسيرة الإعمار قد انطلقت ولن تتوقف.
*إن تضافر الجهود الرسمية والشعبية، ومشاركة الخبرات والكفاءات والقطاع الخاص، تمثل جميعها الضمانة الأكيدة لنجاح هذه المسيرة.. إن السودان، بما يحمله من إرث حضاري ومقومات طبيعية وطاقات بشرية فريدة، ماضٍ بثبات نحو طي صفحة الآلام وفتح أبواب المستقبل على مصراعيها، واثق الخطى بأن غده سيكون أفضل بكثير من ماضيه، وأن إرادة الحياة فيه ستظل دائماً أعلى وأقوى من كل محاولات النيل منه.