
حرب الموانئ والمطارات… من يملك مفاتيح البحر الأحمر؟
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*في الحروب التقليدية، كانت السيطرة على الأرض تحدد موازين القوة، أما في البحر الأحمر فقد باتت القدرة على تعطيل الحركة تمنح نفوذاً قد يفوق مساحة الأرض الخاضعة للسيطرة.. صاروخ يضرب مطاراً، ومسيّرة تهدد سفينة، وقوة مسلحة تتمركز قرب مضيق؛ ثلاث صور لمعادلة استراتيجية واحدة، تتحول فيها الموانئ والمطارات والممرات البحرية إلى أدوات ضغط على الدول والاقتصاد العالمي. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التصعيد الحوثي ضد السعودية، والصراع على الساحل اليمني، والتحركات الإقليمية لإعادة ترتيب أمن البحر الأحمر.
*جاءت هجمات أكتوبر 2026م على السعودية لتكشف خطورة هذا التحول.. فقد تعرض مطار الملك خالد الدولي بالرياض لهجوم في العاشر من أكتوبر، أعلنت السلطات السعودية في حصيلته الأولية مقتل اثني عشر شخصاً وإصابة 309 آخرين، بينهم مواطن سوداني ضمن القتلى، فيما أشارت تقارير صحفية لاحقة إلى ارتفاع عدد الضحايا إلى ثلاثة عشر قتيلاً.. وتجدد الاستهداف في الحادي عشر من أكتوبر، مما تسبب في إصابات وأضرار إضافية واضطراب حركة الطيران.. وتستوجب هذه الاعتداءات على المنشآت المدنية الإدانة الصريحة، لما تمثله من تهديد مباشر لحياة المدنيين وأمن الملاحة الجوية.
*وتتجاوز تداعيات هذه الهجمات خسائرها البشرية والمادية؛ فالمطار يمثل اتصال الدولة بالعالم، وتهديده يطال الثقة الاقتصادية وحركة الاستثمار والسياحة والطيران، ويفرض أعباء إضافية على منظومات الدفاع والأمن.. وقد أظهرت الصواريخ والمسيّرات قدرة الجماعات المسلحة على إحداث اضطراب واسع خارج حدود سيطرتها الجغرافية.. وهنا تتقاطع حرب المطارات مع حرب الموانئ؛ فكلاهما يستهدف حرية الحركة، ويحول المنشآت الحيوية إلى أدوات للتأثير في قرارات الدول.. وتزداد خطورة هذا الواقع الاستراتيجي حين تتحول المنشآت المدنية إلى أهداف للضغط، في محاولة لنقل كلفة الحرب إلى الاقتصاد والمجتمع.
*وعلى الساحل اليمني، شهدت خريطة السيطرة العسكرية تحولات متسارعة خلال الأسابيع الأخيرة.. فقد حقق الحوثيون في سبتمبر تقدماً على الساحل الغربي، شمل المخا وذباب وجزيرة ميون ومواقع متصلة بباب المندب، قبل أن تشن القوات الحكومية اليمنية، بدعم سعودي، هجوماً مضاداً مطلع أكتوبر، أعلنت خلاله استعادة مواقع ومناطق واسعة حول المضيق. وتحدثت تقارير عن استعادة مواقع استراتيجية أخرى، فيما استمر التباين بين الروايات بشأن نطاق السيطرة الفعلية على بعض المناطق. وتكشف هذه التطورات أن المعركة أصبحت تدور حول المواقع التي تتحكم في الاقتراب من المضيق، وأن السيطرة عليها تمثل مكسباً عسكرياً واستراتيجياً بالغ الأهمية.. ومع استمرار سيطرة الحوثيين على الحديدة واحتفاظهم بقدرات صاروخية وبحرية، فإن خسارة مواقع ساحلية لا تنهي قدرتهم على تهديد الملاحة من مسافات بعيدة.
*ويمثل باب المندب مركز الثقل الجيوسياسي لهذه المواجهة، فهو بوابة البحر الأحمر الجنوبية نحو خليج عدن والمحيط الهندي، وأحد المفاصل الحيوية التي تربط تجارة آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وقد أثبتت الهجمات على السفن أن التهديد المستمر للملاحة قادر على تغيير مسارات الشحن ورفع تكاليف النقل والتأمين، دون الحاجة إلى احتلال المضيق.. وهكذا تصبح الأزمة اليمنية قضية تتصل بأمن التجارة الدولية واستقرار الدول المشاطئة للبحر الأحمر. وعلى هذا الأساس، تتوزع مفاتيح البحر الأحمر بين من يسيطر على مواقعه الاستراتيجية، ومن يمتلك القدرة على تهديد الملاحة فيه، ومن يستطيع بناء التوافقات والقدرات اللازمة لحمايته. وفي التنافس بين هذه الأطراف تتحدد موازين النفوذ الجديدة.
*وتكشف هذه المعادلة مفارقة أكثر عمقاً؛ فالدول المطلة على البحر الأحمر تمتلك السيادة على شواطئها ومياهها الإقليمية، لكنها تواجه تهديدات تتجاوز حدودها وقدراتها المنفردة.. وفي المقابل، تستطيع قوى مسلحة التأثير في حركة التجارة الدولية دون أن تتحمل مسؤولية إدارة الممرات البحرية أو حماية مصالح الدول المرتبطة بها.. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى ترتيبات أمنية جماعية تعيد التوازن بين القدرة على التهديد والقدرة على الحماية، وتمنح الدول الساحلية دوراً يتناسب مع موقعها ومسؤولياتها.. وفي مواجهة هذه المخاطر، يبرز التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي تقوده السعودية، والذي أيدت ترتيباته التأسيسية أربع عشرة دولة، بينها السودان، باعتباره محاولة لبناء استجابة جماعية للتهديدات البحرية. وقد انتقل التحالف من مرحلة التأسيس إلى بناء الجاهزية العملياتية وتكامل القدرات، مع الإعلان عن بلوغ القدرة التشغيلية الأولية، فيما لا تزال ترتيبات القيادة والانتشار والمهام المشتركة في طور التطوير. ويبقى نجاحه مرهوناً بفاعلية القيادة المشتركة، وتنسيق الأدوار البحرية، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والإنذار المبكر، وحماية السفن والموانئ، ومكافحة تهريب السلاح.. ويظل التحدي الأكبر في بناء منظومة تحترم سيادة الدول، وتوازن بين متطلبات الردع ومخاطر الانزلاق إلى مواجهات إقليمية أوسع.
*وتتقاطع أهداف هذا التحالف مع إعلان العلمين الصادر في الرابع من أكتوبر عن قادة السودان ومصر وإريتريا والصومال، والذي أكد أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة ومسؤولية الدول المشاطئة عن حوكمته. وهنا تبرز فرصة للجمع بين القدرات البحرية والتوافق السياسي؛ فالتحالف الذي تقوده السعودية يمكن أن يوفر أدوات الحماية والتنسيق، بينما يعبر إعلان العلمين عن توجه أفريقي لتعزيز دور الدول الساحلية في إدارة مجالها البحري.. وقد يؤسس التكامل بين المسارين لترتيبات أمنية أكثر توازناً، متى تطور إلى آليات مؤسسية واضحة تراعي مصالح جميع الأطراف.. ويحتاج هذا التكامل إلى حوار أوسع مع بقية الدول المشاطئة، حتى تتشكل منظومة أمنية تستوعب اختلاف المصالح وتمنع تحول البحر الأحمر إلى ساحة تنافس بين ترتيبات متوازية.. ومن هذه الزاوية يكتسب التقارب السوداني السعودي أهمية استراتيجية خاصة. فالبلدان يتقابلان على ساحلي بحر واحد، وتجمعهما مصالح أمنية واقتصادية متداخلة. وتملك السعودية قدرات مالية وبحرية ولوجستية كبيرة، بينما يمثل السودان بوابة مهمة نحو العمق الأفريقي. وقد يتيح هذا التقارب للبلدين الانتقال من التنسيق حول أمن البحر الأحمر إلى المساهمة المشتركة في صياغة ترتيباته المستقبلية، بما يربط مصالح الضفتين في إطار إقليمي أوسع. وتظل استفادة السودان من هذه الفرصة مرهونة باستراتيجية وطنية تحول موقعه الجغرافي إلى قدرة اقتصادية وأمنية ومؤسسية فاعلة.
*وتنعكس هذه التطورات على القرن الأفريقي، حيث تتداخل النزاعات الحدودية والتنافس على الموانئ والمنافذ البحرية مع الحضور العسكري الأجنبي. واستمرار التهديدات الحوثية قد يسرّع عسكرة البحر الأحمر، ويضاعف الضغوط على اقتصادات الدول الساحلية، ويضعف فرص الاستثمار والتكامل الإقليمي. كما أن اتساع المواجهة السعودية الحوثية يحمل مخاطر امتداد التوترات العسكرية إلى المجال البحري للقرن الأفريقي، بما يزيد هشاشة أمنه واستقراره. وفي بيئة كهذه، قد تتحول الحاجة إلى حماية الملاحة إلى مدخل لتوسيع النفوذ العسكري الخارجي، بما يفرض على الدول الساحلية مسؤولية بناء توافقاتها الخاصة قبل أن تتشكل ترتيبات أمنها بمعزل عنها.
*وتقتضي مواجهة هذه التحديات تطوير آلية تنسيق دائمة بين الدول المشاطئة، والعمل على تحقيق التكامل بين مخرجات إعلان العلمين والتحالف البحري الذي تقوده السعودية، وتعزيز قدرات المراقبة والإنذار المبكر وحماية المنشآت الحيوية، إلى جانب تجفيف مسارات تهريب السلاح ودعم تسوية سياسية للأزمة اليمنية. فاستقرار البحر الأحمر يرتبط أيضاً بمعالجة النزاعات التي تنتج التهديدات وتمنح الجماعات المسلحة القدرة على التأثير في أمنه.
*وللسودان مصلحة مباشرة في هذه الترتيبات، تستدعي إعادة تأهيل قدراته البحرية وموانئه، وتطوير بنيته اللوجستية، وبناء شراكات تحمي سيادته وتوسع مصالحه الاقتصادية. وأمام السودان فرصة لاستعادة دوره البحري من بوابة المصالح المشتركة، شريطة أن يمتلك رؤية واضحة لما يريد من البحر الأحمر، وما يستطيع أن يقدمه لأمنه واستقراره. فالجغرافيا تمنح السودان موقعاً على البحر الأحمر، لكن الرؤية والقدرة والمؤسسات هي التي تمنحه مكاناً في معادلات أمنه ومستقبله.
*تكشف حرب الموانئ والمطارات أن البحر الأحمر يدخل مرحلة تتغير فيها أدوات القوة وحدود النفوذ. فالهجمات الحوثية وضعت أمن الممرات الحيوية أمام اختبار مباشر، بينما فتحت المبادرة البحرية السعودية وتفاهمات العلمين باباً لإعادة التفكير في مسؤولية الدول المشاطئة عن أمن هذا البحر. وستتحدد قيمة هذه التحركات بقدرتها على تحويل الجغرافيا المشتركة إلى مصالح محمية ومؤسسات فاعلة. فالدول التي تعجز عن تحويل جغرافيتها إلى قدرة مشتركة، قد تجد نفسها ذات يوم تفاوض على أمن شواطئها، بينما يقرر الآخرون مصير الممرات التي تطل عليها.