
في وداع عمدة الاتبراوي
فنجان الصباح
أحمدعبد الوهاب
*في بدايات العام 1989 كلفني صاحب الوان الاستاذ الكبير حسين خوجلي بتحرير صفحة يومية تحت عنوان ( الناس في بلادي) بجانب مهامي الأخرى كسكرتير للتحرير وكتب مقدمة طويلة كشأنه دوما في الاحتفاء بالشباب وتشجيعهم على خوض المغامرات ومما جاء فيها:
انا مضطر لتقديم هذا الشاب صاحب المواهب الذي له في الشمال قلم وفي الجنوب شقيق شهيد وله حب المغامرات لا يفنى وعشق للمكرمات لايبيد.
*اعهد اليه بهذه الصفحة وهو جدير بان يجعل منها ساحة للحق والخير والجمال. واحمد يتقبل النقد بقلب مفتوح رغم انه ( جعلي) من نهر النيل.
*وفي اول صفحة من الناس في بلادي كتبت نعيا لشاعر البطانة الكبير الشيخ عبدالله ود شوراني.. وكانت الوان اول من نشرت خبر رحيل الرجل وعقب على ذلك صاحب ألوان بمفردات ماتعة رائعة ودامعة وختمها بابيات لامير شعراء البطانة الشيخ الزعيم الفارس الكريم عبد الله حمد شوراني يقول فيها:
دكتور طبي عندو دواي ومنو احساسي
تفاح منقة ماهو يسيل وارضو فداسي
سيد قافية غناي الفيهو صافي اخلاصي
عاجب عيني جارح قلبي فكرو سياسي
*وماهي إلا ايام حتى وصل العمدة علي صالح جيب الله عمدة البسلي من الدامر يحمل معه تعقيبا على مقالتي مشفوعا بقصيدة رثاء لود شوراني من صديقه شاعر الدامر الضخم عكير الدامر:
جانا الخبر قبال دخولنا العقبة
عقبة بدري تاريخ من زمن ناس شغبة
مات الفارس الكبير اب رقبه
*ومن يومها توطدت علاقتي بعمدة الاتبراوي وكنت من قبل اعرفه لما نازل عمنا العظيم الشيخ طيفور محمد شريف ناظر خط العالياب عطر الله ثراه وهزمه في دائرة الدامر الجنوبية في انتخابات مجلس الشعب في عهد ثورة مايو.. ليس لضعف في شعبية طيفور ولكن لربما لبعض الانشقاقات وضعف في التنسيق.. ولكن طيفور ما لبث ان عاد وصار نائبا في البرلمان ورئيسا لاتحاد مزارعي السودان ورئيسا لمجلس الشعب الاقليمي بالشمالية الكبرى.
*وكنت اقرا للعمدة علي صالح استراحته الراتبة بصحيفة الايام مزاحما كوكبة من كبار الاساتذة و الكتاب ابن البان والطيب محمد الطيب، البروف علي المك وآخرين وكان العمدة يوصي السكرتارية بنشر الاستراحة يوم السبت لتوافق سوق الدامر التاريخي والذي لم يكن مجرد سوق تقليدي بل كان بوتقة وسوق عكاظ تلتقي عنده قبائل نهر النيل وقبائل البطانة ونهر عطبرة وكانت سكرتارية الايام تفي له بذلك. ثم التقينا كثيرا في ساحات الصحف من السودان الحديث والاضواء والوان والحرة والحياة وغيرها.. وكنت اتفقده عبر تلفونه بشريحة سوداني فاجده لايزال ذاكرة متقدة ونشاطا جما ومعرفة بالآداب والشعر والانساب والقبائل.
*ومما قاله لي ولا يعرفه كثير من الناس ان الاستاذ الطيب محمد الطيب صاحب حنجرة ذهبية وله رميات عجيبة على رواية ود ( العبسبيس) الشاعر المعروف.
*التقيته العمدة آخر مرة قبل الحرب بشهور في احتفال كبير بمنطقة قباتي ولما دقت الدلوكة نزل الي الدارة وهز وبشر وعرض بزيه البلدي وثوبه المميز.
*ثم جلست اليه يحدثني عن صداقته بشيخ قرية قباتي طيب الذكر الشيخ محمود محمد الحسين وعن رفقتهما بتكليف من الإدارة البريطانية لجمع العشور من خلاء بادية الجعليين وكان يحمل معه يومها جهاز راديو وكان شيئا مدهشا و نادرا حتى في المدن وكيف انهم لما نزلوا في تلك البادية في مضارب الشيخ عوض الله ود حسين كان جهاز الترانزستر حديث كل سكان تلك البادية.
*وكان العمدة رحمه الله تعالى على ايام مجلس الشعب ينزل في بري عند عمي طيب الذكر حاج الخير سرور رجل الاعمال ورجل البر والاحسان المعروف.. وحكى لي ان حاج الخير كان يامرسائقه الخاص لإيصال العمدة حتى بوابة مجلس الشعب بسيارته المرسيدس الفاخرة وكان ذلك مدعاة لدهشة النواب الذين كانوا يقولون له لماذا كل هذا التواضع وانت بهذه الابهة والثراء فيرد عليهم بطريقته الساخرة ( هذا من تواضع العظماء).
*تصدى العمدة في شجاعة فائقة لخمج الحرية والتغيير واعتبر سفور بعض الفتيات ولعبهن الكورة من سوء الادب ورداءة الأصل والتربية.
*صدر للعمدة الراحل كتاب (مذكرات عمدة سابق) ولعل اهله واصدقاءه وعارفي فضله يوفقون في جمع تراث كبير للرجل نثره على مدى أكثر من نصف قرن على صفحات الصحف.
*وبرحيل العمدة يفقد سوق الدامر ومنطقة البسلي وأدنى نهر عطبرة وتفقد الإدارة الأهلية واستراحات الصحف علما كبيرا وتاريخا كان يمشي على قدمين.
*تغمده الله تعالى بواسع رحمته واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة
والعزاء لأهله وعشيرته.