
بلا قيود
بعد .. و .. مسافة
مصطفى ابوالعزائم
*قراء الصحف متنوعون ومختلفون، مثل الكتاب في ذات الصحف، لذلك نجد كُتاباً مفضلين لبعض القراء دون غيرهم، يتنقلون معهم أينما كتبوا، وتتأثر في الغالب الصحف التي كانوا يكتبون مقالاتهم أو أعمدتهم فيها إذا ما انتقلوا إلى صحف أخرى، وسوف تنتعش الأخرى بالضرورة لإنتقال كتاب لهم شعبيتهم وجماهيريتهم إليها ولكن ماذا لو إختفت أقلام كثيرة (بفعل فاعل) وغابت عن ساحات العمل الصحفي ومساحات صفحات الصحف ؟ ونعني بالإختفاء ذلك الغياب الإجباري، الذي لا تكون فيه للصحيفة يد ولا للكاتب فيه قلم.
*تم قبل نحو عشر سنوات أو أقل قليلاً ، إيقاف عدد من الزملاء من الصحفيين والكتاب، بزعم أنهم لا يحملون شهادة السجل الصحفي، التي كانت تصدر عن المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحفية وفق شروط محددة، ونجح الصحافيون في أن يتحول إصدار الشهادة من الإتحاد العام للصحفيين السودانيين، إما بعد الخضوع لإمتحانات السجل للمتقدمين من خريجي الجامعات – كلية الإعلام وغيرها – وإما بمنح شهادة السجل الصحفي بـ(الخبرة) وفق شروط محددة، إذا إنطبقت على طالب شهادة السجل الصحفي، تمنح له ليمارس المهنة بالإحتراف، وإما تمنح له بالإنتساب إن كان كاتباً راتباً أو أستاذاً جامعياً أو خبيراً في مجال ما، أو متخصصاً في أحد التخصصات التي تفيد المواطن العام.
*وقد تم ذلك في عهد الإتحاد العام للصحفيين السودانيين الأسبق، الذي ترأسه أستاذنا وأستاذ الأجيال وزميلنا الكبير الدكتور محي الدين تيتاوي– رحمه الله – وتشرفت بأن كنت نائباً لرئيس الإتحاد العام للصحفيين آنذاك، بينما تولى زميلنا الأستاذ الفاتح السيد أعمال الأمانة العامة للإتحاد.
*وسبق أن برز إتجاه خطير خلال تلك الفترة – أي قبل نحو ثماني أو تسع سنوات – بأن يصدر المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الصحفية قراراً بمنع عدد من الصحفيين والكتاب، ويخاطب صحفهم بأنهم غير مستوفين لشروط الكتابة، ولا يحملون شهادة السجل الصحفي.
*أولاً ، سبق لشخصي تسجيل موقف للتاريخ بإسمي وأسماء مئات الصحفيين مثلي، برفض هذا القرار مهما كانت المبررات، وهو أسلوب لا تقبله الفطرة ولا حق الإنسان في التعبير، ويتعارض مع حرية الرأي ، خاصةً إذا كان الكاتب صحفياً محترفاً ظل يزاول هذه المهنة سنين عدداً ولا يعمل في غير ساحاتها.
*ثانياً .. ذكرنا وقتها أننا مع تنظيم المهنة ، لكننا في ذات الوقت لسنا مع التضييق على الكتاب الصحفيين ، ولا مع إخضاعهم لأجهزة قياس غير أجهزة القياس المهني ، وهي أجهزة أمنية خاصة وغير متخصصة .. وقلنا أننا نرفض تماماً أن تتم عملية فرز ألوان سياسية ، يمنح بموجبها هذا حق الكتابة ويمنع ذاك .. ففي هذا ظلم بين ومبين للصحافة وللصحفيين، وللجهات المنظمة لهذه المهنة التي تقوم على الحرية وإبداء الرأي.
*صحافة هذا العصر تقوم على الرأي والتحليل والتقرير والتفسير ولا تقوم على الخبر وحده مثلما كانت قبل عقود الأخبار الآن باتت هي التي تبحث عن الناس، لا العكس ، لذلك اتجهت الصحف لإستكتاب أهل الرأي وصناعه، للبحث في ما وراء الخبر، تحليلاً وتفسيراً وإبداءً للرأي ، وهذا الأمر لم يعد قاصراً على الصحفيين العاملين في المهنة، فهناك خبراء ومختصون يقومون بذات المهمة ، وهم يعملون في مجالات أخرى ، وتعتبر الصحف هي إحدى الوسائل التي يبرزون من خلالها جهودهم العلمية والمتخصصة وعرضها على جمهور القراء.
*وذكرنا وقتها إن مثل هذه القرارات (العشوائية) ستضعف الصحافة السودانية أكثر مما هي ضعيفة، بسبب التدخلات من غير أهل الشأن الصحفي ، والتي جعلت الصحف أقرب ما تكون إلى صحيفة واحدة بأسماء متعددة.
*ظللت وعلى مدى سنوات عديدة أجهر برأيي وأعلن أنني ضد السجل الصحفي أصلاً، لأن الذي يمنح الصحفي شرف الإنتشار والتأثير هو القارئ، لا بوابات القيود أو السجلات الصحفية، وكتبت وقتها، أننا إذا ظللنا نطبق مثل هذه القرارات العشوائية وغير المنطقية سنفقد أقلاماً عديدة ومهمة تحتاجها الصحف والقراء والدولة .. وتخيل – يا أعزك الله – صحافة سودانية لا يكتب فيها مختصون وخبراء ونقاد وأدباء لأنهم لا يحملون شهادة القيد (السجل) الصحفي، تخيل غياب أساتذة كبار مختصين عن الكتابة في الصحف من أهل السياسة الذين يرفدون الصحف بالرأي والمقال والتحليل، وتخيل غياب أسماء إعتاد عليها القراء وظلوا يحرصون على متابعة ما تكتب أمثال بعض شعرائنا المجيدين، والخبراء التربويين، وخبراء الإقتصاد، وأطباؤنا الذين يحررون الصفحات الطبية ويجيبون على استفسارات القراء الطبية والصحية .. تخيل غياب أقلام متخصصة في النقد الفني والأدبي تحرر الصفحات والملاحق الثقافية ، لا لسبب إلا لأنهم لا يحملون شهادة السجل الصحفي.
*قلنا وقتها للذين أصدروا هذا القرار المعيب .. تراجعوا عنه ولكننا نرى اليوم إن الباب أصبح مفتوحاً على مصراعيه، فصحافة اليوم الإلكترونية، أو صحافة الموبايل ما عادت تخضع القيود.. اللهم إلا القانون العام، ومواثيق الشرف الصحفي والمهني الأخلاقي.