آخر الأخبار

(ذياب ) قصة قصيرة من الموروث الشعبي الجزائري

عمار شوار – الجزائر:

حين بلغ ذياب مبلغ الرجال، لم يشفع له ما ورثه عن أبيه من دهاء وحنكة أن يبقى في كنف أهله، إذ كانت عادة قبيلته تقضي بأن يفارق الفتى والديه إذا اشتد عوده، ليعتمد على نفسه ويختبر قسوة الحياة قبل أن يُحسب من الرجال.

تهيّأ ذياب للرحيل، فأعدّت له أمه – وكانت امرأة طيبة القلب، قليلة الحيلة – ما يحتاجه من زاد ومتاع، وودّعته وقلبها معلق بخوفٍ لا يفارقها. مضى ذياب في طريقه، وبقي فؤاد أمه خاليًا إلا من التفكير في مصير ولدها الذي دفعته العادة إلى المجهول.

وكان والد ذياب رجلًا شديد الذكاء، قاسي الطبع، يرى أن الفطنة هي مقياس النجاة في هذا العالم، وكان يستخف بعقل زوجته وأهلها. ولم يكن يسمح لها بزيارة قومها إلا نادرًا، لا بخلًا ولا قطيعة، بل زعمًا منه أنهم أهل سذاجة لا يُعوَّل على رأيهم.

وذات يوم، أراد أن يختبر ما يعتقده، فقال لزوجته: اذهبي إلى أهلك، واسأليهم عن ثلاث مسائل، وعودي إليّ بجوابها الصحيح، وإلا نالكِ مني ما لا تطيقين. وأمرها أن تسألهم: ما الحُرّة في الأطيار؟ وما الحُرّة في الأشجار؟ وما الحُرّة في الأحجار؟.

خرجت المرأة وقلبها يرتجف، وفي طريقها شاءت الأقدار أن تجمعها بابنها ذياب، فإذا هو يرعى الإبل عند قومٍ من الناس.. كادت لا تصدق عينيها، فجلست إليه، وأخذت تحدّق في وجهه كأنها تستعيد ما ضاع منها.

سألها ذياب:

كيف أذن لك أبي بزيارة أخوالي؟

قالت: لم يأذن، بل اشترط وهدد.

قال: امضي إلى أهلك، فإذا عدتِ فاسلكي هذا الطريق، حتى أسمع ما قالوا لك.

بلغت المرأة قومها، وطرحت عليهم الأسئلة، فضحكوا وقالوا: هذه مسائل يسيرة.

قالوا:

الحُرّة في الأطيار: النعامة،

والحُرّة في الأشجار: الصنوبر،

والحُرّة في الأحجار: حجر الزناد.

وفي طريق العودة التقت بابنها كما اتفقا.. أخبرته بما قال أخواله، وزادت معتزة: أترانا قومًا بلا ذكاء؟

هزّ ذياب رأسه وقال:

لا يا أمي، إن أخوالي أخطأوا، وإن عدتِ بهذا الجواب أهلكتِ نفسك

ثم قال:

الحُرّة في الأطيار: النحلة،

والحُرّة في الأشجار: النخلة،

والحُرّة في الأحجار: الحجر الأسود في بيت الله الحرام.

عادت المرأة إلى زوجها، فأجابت بما قاله ذياب. فعرف الرجل من فوره أن ابنه لا بد قد لقّنها الجواب، لكنه كتم شكه، واحتال ليكشف الحقيقة. خرج قليلًا، ثم عاد يعدو وهو يصيح:

الإبل غادت، وذياب قالوا مات

فانهارت المرأة، وبكت وهي تصرخ: ذياب ولدي لم يمت، لقد كنت معه منذ ساعات.

عندها أمر الأب أن يُؤتى بذياب موثقًا. وحين أُحضر، أشعل النار من حوله، وقال:

لا تبرح مكانك حتى تجيبني، فإن نجوت بعقلك نجوت بنفسك.

وسأله:

هذه النار، من يغلبها؟

قال ذياب: يغلبها الماء

قال: والماء؟

قال: تغلبه العقبة

قال: والعقبة؟

قال: يغلبها الخيل

قال: والخيل؟

قال: يغلبها الفرسان

قال: والفرسان؟

قال: تغلبهم نساؤهم

قال: ونساؤهم؟

قال: يغلبهن أولادهن

قال: وأولادهم؟

قال: يغلبهم الشيخ الذي يعلّمهم.

قال: والشيخ؟

قال ذياب: يغلبه كلام رب العالمين

عندها انكسر حدّ القسوة في قلب الأب، وأدرك أن ذياب قد ورث حكمته ودهاءه، فأمر بإطفاء النار، وأطلقه من وثاقه. فكانت النار على ذياب بردًا وسلامًا، ونجا بعقله كما نجا بجسده.