معطى التراث البيئي للنخلة ما بين انتصار الحياة ورمزيتها.. قراءة
في قصة ( العسو ) للقاص السعودي عبدالله النصر
أحمد المؤذن – البحرين:
طالما شكلت النخلة في منطقة الخليج العربي معطى بيئي متداخل مع الذاكرة الشعبية وسرودًا حكائية تختزنها الذائقة الإنسانية هذا عـدا دورها الاقتصادي في الانتاج الزراعي ومعيشة الناس . ومن اللطيف أن الدارس لتفاصيل ومفردات التراث الشعبي من أبناء منطقة الخليج العربي قد خص النخلة بالعديد من الدراسات الأنثروبولجية وسلط الضوء على وجودها الوظيفي ضمن أبعادٍ متباينة من نطاق التراث إلى سؤال الواقع وهوية الطابع ممتزجة في جانبها المثيولوجي بقصص الشعوب.
القاص والروائي العربي السعودي عبد الله النصر، يتحفنا بقصة قصيرة جميلة من فيض حبره المبدع حيث يضع بوصلة سرده في اتجاه (النخلة) ليرسم ملامح بيئـة الخليج فيستنطق معطياتها المحلية كمسار أول ومن ثم يبحر في فهم وترجمة ذاك التناغـم السخي ما بين الإنسان وصراع حركة الزمن المادي وبقاء ” النخلة ” محورًا يدير لعبة الحدث في المسار الثاني.
تمضي هذه القراءة ضمن إطار تحليلي ينبش رمزية النخلة وثراء حضورها وتأثيرها. مع بداية أول سطر من قصة (النصر) يضعنا في (زمكانية) محددة الملامح لا تقبل الشك أو تستعير بيئة أخرى مغايرة تبعد الكاتب عن البيئة الأم – الصحراء برمالها الذهبية، ظلال النخيل، الشمس، رائحة دبس التمر، بيوت الطين.
نحن أمام كل هذا التدفق السردي نجد عطاء الموروث متناغمًا من بيئة الحدث كقصة يتكأ عليها مفهوم متداول في عرف الكاتب العربي الخليجي) بأنه ابن بيئتـه )لا ينفصل عنها فيما يكتب بيئة تبرز فيها النخلة كبطلة رمزية وما قصة (النصر) إلا مثال تطبيقي حـي حرضنا هنا على شهية البحث والسؤال المعرفي، صلب العلاقة لا تنحصر في اطار نفعي ضيق ما بين الإنسان والنخلة إنما هو جانب وجداني تنصهر فيه العلاقة لما هو أبعد
لم تكن علاقة الإنسان بالزراعة علاقة براغماتية في كل الأحوال، بان يختار الإنسان أرضًا خصبة يودع فيها البذور ويستمر في رعايتها في مراحل حياتها، إلى أن تصبح يانعة وتؤتي ثمارها، بل كانت هذه العلاقة في بعض الأحيان علاقة ترابط وتكامل وتعاون وسمة أساسية في حياة الإنسان ، كزراعة النخيل التي عبر وجودها وانتشارها في بعض المناطق عن سمات إنسانية وثقافة فريدة. فرعاية النخيل والدأب على متابعته ليس أمرًا سهلًا أو ترفًا، بل يحمل كثيرًا من المشقة.
لذلك فإن علاقة الإنسان مع النخيل علاقة وطيدة تبدأ في مرحلة الطفولة والصبا بأكل الثمار واللعب بسعف النخيل، وتستمر بالعمل والمسؤولية في مرحلة الشباب والمتابعة والحث على العمل في الكبر، لذل.