آخر الأخبار

إستراتيجيات القرن الإفريقي والبحر الأحمر من قلب الساحل

شيء للوطن

م.صلاح غريبة

 

*يتصدر المشهد الإقليمي والدولي اليوم تحول نوعي في قراءة الخرائط الجيوسياسية، حيث لم يعد البحر الأحمر وخليج عدن ومنطقة القرن الإفريقي مجرد ممرات مائية عابرة أو رقعة صراع لتجاذبات القوى الكبرى، بل غدت الفضاء الحيوي الأكثر حيوية لتحديد مسارات التجارة العالمية، وأمن الطاقة، والاستقرار الإنساني. وفي هذا السياق المحموم بالمتغيرات، تبرز مدينة بورتسودان الساحلية باعتبارها نقطة الارتكاز الاستراتيجية وبوابة الربط المحورية التي تتقاطع عندها المصالح العربية والإفريقية والآسيوية.. ومن هنا، تكتسب الفعاليات الحوارية الكبرى التي تحتضنها المدينة الساحلية أهمية استثنائية، لكونها تمثل منصة رائدة لإعادة هندسة المفاهيم السائدة؛ والانتقال بالمنطقة من أتون التنافس الحاد وعدم الاستقرار الهيكلي إلى فضاءات الشراكة التنموية المستدامة.

*إن التحديات المشتركة التي تواجهها دول هذه البقعة الحساسة من العالم ليست وليدة اللحظة، بل هي حصيلة تراكمات تاريخية وجيوسياسية معقدة تتداخل فيها الأزمات الإنسانية، وتحديات الأمن الغذائي والمائي، والضغوط الاقتصادية المتمثلة في اضطرابات سلاسل الإمداد، فضلاً عن التغيرات المناخية التي تضرب الاستقرار الريفي والزراعي.. وإزاء هذا المخاض العسير، تنعقد ضرورة ملحة تفرضها لغة الواقع، وهي ضرورة كسر حلقة تشخيص الأزمات المتكررة والانتقال الشجاع إلى مرحلة هندسة الحلول الإبداعية.. وتتطلب هذه المعالجة الجذرية تبني مقاربات كلية وشاملة لا تنفصل فيها التنمية الاقتصادية عن الاستقرار السياسي والأمني، بل تتكامل فيها جهود الحكومات مع دور القطاع الخاص، والمؤسسات الأكاديمية، ومكونات المجتمع المدني، لصياغة عقد اجتماعي وإقليمي جديد.

*وفي قلب هذه المقاربات التنموية، يبرز ربط الأمن بالتنمية معادلة ذهبية لا غنى عنها لتحقيق الاستقرار المستدام.. فالتجارب الدولية المعاصرة تثبت بوضوح أن أي محاولة لمعالجة الاختلالات الأمنية أو احتواء النزاعات بمعزل عن تحسين جودة الحياة، وتطوير البنية التحتية، وتنشيط قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وربط الموانئ الحيوية بالأسواق الإقليمية والدولية، مآلها الفشل والتراجع.. ومن هذا المنطلق، تكتسب الموانئ الإستراتيجية على ساحل البحر الأحمر والقرن الإفريقي دوراً محوريًا كقاطرات للتكامل الإقليمي، بشرط أن يُدار هذا الدور برؤية تشاركية تحترم سيادة الدول، ونبذ التدخلات الخارجية التي لا تزيد المشهد إلا تأجيجًا وتعقيدًا، وتدعم بالكامل الحلول الوطنية الذاتية التي تنبع من إرادة شعوب المنطقة وتطلعاتها المشروعة نحو البناء والتقدم.

*علاوة على ذلك، تلعب الدبلوماسية الأكاديمية والشعبية دورًا لا يقل أهمية عن الدبلوماسية الرسمية في ردم الهوة وتقريب وجهات النظر. إن إشراك المراكز البحثية، والجامعات العريقة – بما فيها الوفود الأكاديمية الآسيوية والدولية الحاضرة – يسهم بشكل مباشر في صياغة سياسات عامة رشيدة مبنية على الأدلة والبراهين العلمية الدقيقة، بعيداً عن الانفعالات السياسية المؤقتة.. إن استشراف تاريخ جديد للقرن الإفريقي والبحر الأحمر بات أمرًا ممكنًا ومتاحًا، شريطة تغليب لغة الحوار الإيجابي، وتعزيز التكاتف والوحدة الإفريقية، وتحويل الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي الفريد من مصادر التوتر والتنافس السلبي إلى روافع حقيقية للتنمية والرفاه المشترك لشعوب المنطقة بأسرها.