آخر الأخبار

تل أبيب …احتضان حركات التمرد منذ أغسطس 1955م إلى أبريل 2023م

  • السودان حاضر في المخلية الإسرائيلية منذ أمد بعيد
  • جوزيف لاقو قدم (السبت) وهنأ إسرائيل بانتصارها في حرب 5 يونيو 1967م ووجد من حكومتها (الأحد) دعما وتسليحا
  • إسرائيل دعمت حميدتي سرا وعلانية في مشروعه ولكن اضمحلال الدعم السريع جعلها تعض بنان الندم

تقرير- د.إبراهيم حسن ذو النون:
الخارطة التي طرحها نتنياهو والتي حدد فيها مجموعة اصدقاء وحلفاء اسرائيل من جهة واعداء وخصوم اسرائيل من جهة اخرى وكان من بين الاصدقاء الحلفاء المقربين قيادة قوات الدعم السريع المتمثلة في محمد حمدان دقلو حميدتي واخوه عبد الرحيم دقلو والقوني دقلو وقد اعاد تصريح نتنياهو الحديث مجددا عن علاقة اسرائيل بالسودان ومن المعلوم ان مجموعات من السياسيين السودانيين قد تقاطرت نحو تل ابيب سرا منذ خمسينات
القرن الماضي كما ان حركات التمرد السودانية منذ التمرد الاول بقيادة جوزيف لاقو الذي قاد تمرد توريت في اعسطس 1955م حتى تمرد حميدتي الأخير أبريل 2023م والذي تحول بفعل التدخلات الخارجية لحرب وجودية كانت حاضرة في اسرائيل من خلال زيارات سرية إلى تل ابيب ولقاءات لازمها التكتم حيث استعانت حركات التمرد بمقولة (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان) ولكن بعد حين تكشفت وتسربت كل تفاصيل ما جرى من مباحثات وتفاهمات إلى العلن ووصلت لأجهزة الاعلام.

(1)


الفريق جوزيف لاقو من خلال مذكراته التي ترجمت للغة العربية بواسطة السياسي والمفكر السوداني محمد علي جادين ونشرها مركز محمد عمر بشير أحد المراكز ذات الاهتمام بالدراسات السودانية والذي يتبع لجامعة أم درمان الأهلية وقد صدرت ترجمة المذكرات في العام 2005م وهو نفس العام الذي وقعت فيه الحكومة السودانية والحركة الشعبية بقيادة الدكتور العقيد الراحل جون قرنق على اتفاقية السلام السودانية بضاحية نيفاشا بجمهورية كينيا وقد حظيت هذه المذكرات بنقاشات واسعة عبر المنتديات العامة ودارت حولها حوارات في اجهزة الاعلام المختلفة واللافت في هذه المذكرات ان الفريق جوزيف لاقو قد سجل اعترافات واضحة لالبس فيها عن علاقته وعلاقة حركته بدولة اسرائيل منذ بدايات تمرده وقد توطدت العلاقة بعد رسالة التهنئة التي بعث بها إلى رئيس الوزراء الاسرائيلي بمناسبة انتصار اسرائيل في حرب 5 يونيو (حيزران)1976م على مصر والدول العربية

(2)

أفرد الفريق جوزيف لاقو في مذكراته حيزا معتبرا لعلاقته الشخصية مع دولة الكيان الصهيوني وعلاقته بجهاز استخباراتها المعروف ب (الموساد) وتوغله في اقليم الجنوب وأشار الفريق لاقو إلى أن علاقته باسرائيل قد بناها بخلق قيادات مباشرة مع القيادات العسكرية والامنية والسياسية وتجار السلاح الاسرائيليين أو التجار من ذوي الاصول اليهودية والذين نشطوا في تجارة السلاح والذخائر عبر قارات العالم المختلفة ويذكر الفريق جوزيف لاقو أن اسرائيل دعمت حركته منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي مضيفا ان الرسالة الشخصية التي بعث بها إلى رئيس الوزراء الاسرائيلي ليفي اشكول بمناسبة انتصار القوات الاسرائيلية في حرب 5 يونيو (حيزران) 1967م على القوات العربية بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصرقد مهدت الطريق له لخلق علاقات مباشرة مع دولة اسرائيل وطلب الدعم اللوجستي لقواته في قتاله مع الحكومة السودانية في الخرطوم والتي تقف بقوة مع العرب ضد اسرائيل كما انها تعادي أهل جنوب السودان بشكل لافت بحسبان انهم من اصول زنجية افريقية وقد فسر المراقبون وقتها تأييد جوزيف لاقو وحركته المتمردة لتل أبيب ومناصرته لها بانها خطوة علنية لاستدرارعطف اسرائيل لدعم حركته كما أن هذه الرسالة دعوة لايقاف مد القومية العربية الذي تبنته حركة القوميين العرب بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر والتي وجدت مناصريين كثيريين لها حتى في
بعض الدول الافريقية والدول الافرو عربية

(3)

واستطرد الفريق جوزيف لاقو في مذكراته بانه زار اسرائيل زيارة سرية في العام 1968م والتقى جولدا مائير رئيسة وزراء اسرائيل في مكتبها بالقدس والتي اشارت إلى رسالته التي ارسلها إلى سلفها رئيس الوزراء السابق والذي توفي بعد حرب 5 يونيو حزيران بعد اشهر قليلة وقالت إن هذه الرسالة فتحت آفاق التعاون بين حكومة تل أبيب وحركة التحرير الجنوب سودانية التي يقودها وقالت إن الاجهزة السياسية والأمنية احتفت برسالته المعبرة والتي اعتبرتها مدخلا مهما لبناء علاقة بينهم وبين حركة جوزيف لاقو وبسببها افردت تل أبيب مساحات واسعة لها من التعاون.

(4)

وأشار الفريق جوزيف لاقو ان الدعم الاسرائيلي الذي قدم لحركته بواسطة
الحكومة الاسرائيلية لم يتوقف عند الدعم المباشر بل اخذ طابعا آخرا تمثل في تقديم الدعم في مجال التدريب ورفع القدرات ليس في المجال العسكري فحسب بل في المجالات الاخرى حيث تم ابتعاث اعداد مقدرة من جنود قواته داخل جهاز الموساد
داخل اسرائيل وخارجها خاصة في يوغندا وكينيا واثيوبيا كما استقدم جهاز الموساد ثلاثة من ضباطه الكبار إلى الغابات التي كانت تنطلق منها قوات جوزيف لاقو واقاموا فيها لفترات طويلة حيث قدموا خدمات تدريبية تمكن من خلالها الجنود من اكتساب مهارات ومعارف قتالية كبيرة وكان اشهر هؤلاء الضباط الثلاثة ضابط الموساد الذائع الصيت ديفيد بن عوزبل والذي كان معروفا خلال فترة مكوثه مع القوات في الغابات باسم (جون).

(5)

ومن الاشارات المهمة التي ذكرها الفريق جوزيف لاقو في مذكراته ان الكثير من السياسيين السودانيين الشماليين الحاكمين والمعارضين قد زاروا اسرائيل بشكل سري وبعضهم قاد مباحثات سرية في بعض العواصم الافريقية والاوربية كما كشف لاول مرة أن الرئيس الراحل جعفر محمد نميري قد التقى وزير الدفاع الاسرائيلي الاسبق اريل شاروون في العاصمة الكينية نيروبي حيث توصلا لصفقة سرية تتمثل في ترحيل اليهود الفلاشا من اثيوبيا إلى اسرائيل مقابل ان تكف تل ابيب من دعم حركة التمرد الوليدة التي تزعمها العقيد الدكتور جون قرنق في العام 1983م.
عموما مثلت مذكرات الفريق جوزيف لاقو اطارا مهما لشكل العلاقة بين بدايات التعاون بين الحركات المتمردة واسرائيل منذ ستينات القرن الماضي والتي تطورت بشكل لافت الآن لكنها مثلت أهم المصادر التي رفعت السرية عن تغلغل جهاز الموساد في الجنوب السوداني ودعم المتمردين ولاشك ان دراسة هذه المذكرات تمثل اطارا مهما في فهم طبيعة مشكلة الجنوب السوداني والمناطق الاخرى التي امتدت إليها الحرب في تلال الانقسنا وشرق السودان وجبال النوبة ودارفور وقد انتهت مآلات هذه المشكلة إلى الحدث المهم خلال هذه الألفية وهو انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم (السودان ) في العام 2011م وبالطبع فإن تلك قصة اخرى.