
(النيل الأزرق).. حقوق العاملين اولا
شوف عين
معاوية محمد علي
*لم تكن الفضائيات يوما مجرد شاشات صماء تذيع البرامج وتستعرض البريق، بل هي روح تسري في عروقها دماء العاملين فيها، من مذيعين صنعوا نجوميتهم في قلوب المشاهدين، ومنتجين صاغوا الفكرة، ومهندسين أقاموا البنيان التقني على السهر والجهد.
*وما يحدث اليوم في كواليس قناة (النيل الأزرق) العريقة من تهميش للكفاءات الأصلية وتغييب للكوادر التي طالما حملت رسالة الشاشة بلسان حالها، يضع إدارة القناة أمام محك أخلاقي ومهني خطير لا يمكن السكوت عليه.
*لقد تحمل أبناء القناة من الصحفيين، والمذيعين، والفنيين، والمنتجين، وزر ظروف الحرب وقسوتها بصبر ورباطة جأش، متنازلين عن حقوقهم ومستحقاتهم في مرحلة حرجة تمر بها البلاد، منتظرين أن تنجلي الغمة لتعود العجلة للدوران وتلتقي الأسرة من جديد تحت سقف بيتهم الإعلامي.
*لكن المفارقة المؤلمة والمخيبة للآمال تمثلت في أن عودة القناة لم تكن مرفوقة بعودة أهلها الحقيقيين، بل فوجئ العاملون بأن الإدارة استعانت بأطراف وأشخاص من خارج السور، مانحة إياهم (فتات) الفرص، بينما تظل أسماء لامعة منها بعض كبار الكوادر والمهندسين في دائرة التجاهل والإقصاء الممنهج.
*إن لغة البزنس والمصالح التي باتت تتذرع بها الإدارة متخفية خلف لافتات العواطف والزمالة المزعومة، لا يمكن أن تقنن ضياع حقوق العاملين.
*فمن غير المعقول أن يجازى من صبروا على مرارة الظروف وتوقف المرتبات بالإبعاد والاستبدال، وكأن الوفاء للجهد المبذول بات عملة نادرة في سوق الإعلام.
*إن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ويلح في الإجابة: أين كانت إدارة القناة من استدعاء طاقمها الأصيل الذي كان جاهزا ومتواصلا حتى من بورتسودان؟ ولماذا آثرت التعاقد مع جهات خارجية على احتضان من صنعوا مجد هذه الشاشة؟.
*إن (إنقاذ القناة) الحقيقي لا يتم عبر صفقات إدارية تعزل أبناء البيت وتستورد البدائل، بل يبدأ من إعادة الحقوق لأصحابها، وفتح باب الحوار، والاعتراف بأن العاملين هم رأس المال الحقيقي الذي لا غنى عنه.. لم يعد مقبولا أن تظل الأصوات خافتة والقلوب صامتة، فالمطالبة بالحقوق ليست منة ولا تفضلا، بل هي طريق الإنقاذ الوحيد لقناة طالما تغنت بالمهنية والالتزام.
*وهكذا، يكتمل مشهد الانحدار القاسي، فالقناة التي كانت يوما ملء السمع والبصر، والشاشة الأولى التي تجمع السودانيين في كل مكان، باتت اليوم تعيش أفولا حزينا وغيابا لشمسها المشرقة.. وفي الوقت الذي تراجعت فيه (النيل الأزرق) وتخلت عن أبنائها، صعدت فضائيات جديدة مثل (الزرقاء) و(البلد)، بل وحتى بعض القنوات الولائية، لتسحب البساط من تحت إقدام الشاشة (الكانت محبوبة) وتنتزع منها الريادة والجمهور.
*إنه الغياب المرير لشاشة لم تفقد بريقها بسبب ظروف البلاد فحسب، بل بسبب التفريطت سواعد أبنائها ورمي بتاريخهم خلف الظهر، لتترك (النيل الازرق) ظلا باهتا لماضي عريق، بينما تخوض المؤسسات الأخرى غمار المنافسة بحيوية وكوادر تقدر الجهد والعطاء وأصحاب العطاء.