آخر الأخبار

الفاشر..عامٌ على ملحمة الوجع والصمود

شيء للوطن

م.صلاح غريبة

 

*عامٌ كامل مضى على تلك الأيام الحالكة التي سقطت فيها مدينة الفاشر تحت وطأة الحصار العنيف والمجازر المروعة، لتتحول عاصمة دارفور التاريخية إلى شاهد حي على قسوة الحرب وفداحة الثمن الذي يدفعه المدنيون الأبرياء وحدهم.. ورغم مرور اثني عشر شهراً على تلك المأساة، فإن جراح المدينة لم تندمل بعد، ولا تزال أسئلة العدالة والمساءلة معلقة في سماء وطن يعاني مخاضاً عسيراً، بينما تبقى ذاكرة الضحايا حية تأبى النسيان أو التجاوز.

*إن استعادة الذكرى الأولى لسقوط الفاشر لا ينبغي أن تكون مجرد استرجاع عابر للألم أو سردٍ لصور الدمار والنزوح، بل هي محطة إجبارية لمراجعة الضمير الإنساني، وتقييم ما أُنجز في مسارات توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها المليشيات الإرهابية.. إن الجرائم التي شهدتها المدينة من قتل ممنهج وتشريد قسري وتدمير للبنية التحتية والنسيج الاجتماعي لا تسقط بالتقادم، وهي تفرض استحقاقاً قانونياً وأخلاقياً لا بديل عنه: كشف الحقيقة كاملة، وإنصاف الضحايا، وملاحقة الجناة ومحاسبتهم فرداً وقيادة، ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه انتهاك حرمة الإنسان وكرامته.

*بينما تتكدس تفاصيل المأساة في تقارير المنظمات، يبرز الوجه الآخر للحكاية؛ وجه الصمود الأسطوري الذي سطره أبناء الفاشر في معركة الوجود الأقسى.. فلم تكن المعركة مجرد صراع على رقعة جغرافية، بل كانت اختباراً لجبروت الإنسان في وجه الموت، وتمسكاً بالحياة رغم شح السبل.

*وفي قلب هذا الجحيم، برزت أسماء ورموز ستظل محفورة في ذاكرة الأمة؛ طبيبات أثْرن البقاء في خط الدفاع الأول لعلاج الجرحى حتى استشهدن بشجاعة نادرة، وإعلاميات وصحفيون رفعوا صوت الحق في وجه الرصاص، ومواطنون عُزل تقاسموا لقمة الخبز وقسوة الحصار. ولعلها مناسبة متجددة لرفع الصوت عالياً والمطالبة الفورية بإطلاق سراح الصحفيين والمراسلين – وفي مقدمتهم مراسلي القنوات الإخبارية المعتقلون – الذين دفعوا ضريبة الكلمة الحرة وسلامتهم المهنية لمجرد نقل الحقيقة العارية للعالم.

*إن المسؤولية الملقاة على عاتق الصحافة السودانية والنخب الثقافية والحقوقية اليوم مضاعفة. الفاشر بحاجة ماسة إلى مشروع وطني شامل لحفظ الذاكرة، وجمع الشهادات الحية للناجين والنازحين الذين توزعت بهم المذاهب في مخيمات اللجوء – معسكرات الولاية الشمالية وغيرها.

*تقع على عاتق المؤسسات الصحفية والتوثيقية مسؤولية إنتاج سلاسل تحقيقية ووثائقية تعيد قراءة الأيام الأخيرة قبل السقوط، وترصد قصص العائلات التي افترقت، وتوثيق الانتهاكات بأدلة مهنية محايدة ومتقاطعة تصمد أمام المحاكم الدولية. والعدالة لا تُبنى على الشعارات الفضفاضة، بل على الأدلة والشهادات الحية التي تضمن عدم إفلات أي مجرم من العقاب، وتحول دون تحويل الجرائم إلى مجرد أرقام منسية في سجلات النزاعات.

*لا يمكن الحديث عن الفاشر بمعزل عن المشهد الإقليمي والدولي وتداعيات (حرب الوكالة) التي جعلت من السودان ساحة لتصفية الحسابات وتدفق السلاح المدمر.. وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً ومشروعية: أين كان المجتمع الدولي والفاعلون الدوليون وأصحاب النفوذ وقادة العالم حين اشتد الخناق على الفاشر؟.

*إن العجز الدولي المستمر عن توفير حماية فعلية للمدنيين، والاكتفاء ببيانات الإدانة الخجولة، يكشفان عن أزمة أخلاقية كبرى في المنظومة الدولية. فالشعارات المرفوعة حول حقوق الإنسان وحماية الحريات تفقد كل معناه حين لا تترجم إلى مواقف عملية ضاغطة توقف تدفق السلاح، وتلجم أطراف النزاع، وتفرض عقوبات رادعة على الداعمين والممولين.

*إن الفاشر ليست مجرد مدينة سقطت عسكرياً، بل هي رمز لصمود شعب لم ينكسر، وامتحان حقيقي لوحدة السودان وسيادته.. وإن الطريق إلى التعافي لا يمر عبر الانتقام أو تغذية خطاب الكراهية، بل عبر بناء دولة القانون والمؤسسات، وإسناد القوات المسلحة الوطنية في واجبها الدستوري لحماية البلاد وأمن المواطنين، وتهيئة الظروف الآمنة لعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم.

*في هذه الذكرى الأليمة، نجدد العهد بأن دماء شهداء الفاشر وأنين ثكلاها لن يذهبوا هباءً.. ستظل الفاشر منارة للصمود، وستعود الحياة يوماً إلى شوارعها، ليرتفع فيها صوت البناء والعلم والأمل، ولتبقى كرامة الإنسان السوداني هي الغاية العليا التي تعلو فوق كل حسابات السياسة والمصالح الضيقة.