وينتصر الحب في (قضبان واهنة) للروائي العراقي حازم الكعبي
حسن الموسوي – العراق:
ينقلنا الروائي حازم الكعبي من خلال روايته قضبان واهنة و الصادرة عن دار الأمير للطباعة و النشر و التوزيع في بغداد إلى فترة عصيبة من تاريخ العراق الحديث و أعني بها الفترة التي سبقت التغيير عام 2003
ففي تسعينات القرن الماضي كان العراق يشهد حملة اعتقالات واسعة طالت الجميع نتيجةحالة الاحتقان الشعبي و بروز جماعات معارضة رافضة لسياسات النظام البائد.
وقد كان الروائي حازم الكعبي أحد ضحايا هذا النظام ، حيث تم الحكم عليه بالاعدام و لأكثر من مرة ، لكن الحكم قد تم تغييره و جعله السجن المؤبد ، إلى أن تم اطلاق سراحه بعد قرار تبييض السجون عام 2002
يتحدث الروائي عن معاناة السجناء في قسم الأحكام الخاصة في سجن ابو غريب السيء الصيت ، و ما لاقاه من تعذيب نفسي وجسدي.
كذلك طالت المضايقات حتى عائلته ، فالعقوبة في تلك الفترة السوداء من تاريخ العراق لا تطال المعتقل وحده ، بل تشمل عائلته حيث يحرمون من التعيين في دوائر الدولة و مصادرة الأموال المنقولة و غير المنقولة لتصل إلى إسقاط الجنسية عن عائلة المعتقل.
العنوان من العتبات النصية وهو ثريا النص، ويتكون من كلمتين ( قضبان واهنة ) وفي ذلك اشارة الى ان السجن لا يحد من عزيمة المعتقلين الذين نذروا أرواحهم من أجل محاربة النظام الديكتاتوري الفاسد.
الغلاف هو أيضا من العتبات النصية و يشكل الغلاف خطابا بصريا لأن الصورة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمتخيل.
ونجد في الغلاف صورة للسيد محمد مرتضى الطباطبائي وهو خلف القضبان
أما في الغلاف الآخر فنجد وها نحن نلتقي من جديد، و خارج أسوار السجن ، التقينا رغما عنك ، تبا لك، لقد جعلت أيامي سوداء طيلة فترة وجودي في السجن، و لو لا الأمل الذي عشت من أجله لكنت ميتا قبلك بسنوات ، تبا لك و تبا لمن منحك سلطة ذبح الأمنيات.
الإهداء من العتبات النصية وفيه نجد إلى ضحايا سجون النظام البائد ، و بالخصوص سجناء قسم الأحكام الخاصة.
وهنا حالة من الوفاء لزملائه الذين شاركوه أيام المحنة
المكان في هذه الرواية هو المكان المعادي حيث أجواء المطاردة و المراقبة وصولا الى السجن
والسجن هو مكان معادي ، و يعرف المكان المعادي على أنه الفضاء الذي يخلو من الألفة و يبعث على مشاعر الخوف و القلق و الغربة و ينعدم فيه الشعور بالأمان.
ويمثل المكان المعادي فضاء نفسيا يعكس الاغتراب والقهر والانكسار
ويضغط المكان المعادي على شخصيات الرواية و يزيد من حالة التأزيم بين الشخصيات و يلقي بثقله عليها.
و في النقد يستعمل المكان المعادي لتحديد العلاقة ما بين الشخصيات و مكانهم.
يقوم الروائي بسرد الأحداث و ما مر به بطل الرواية وفق تواريخ ثابتة و متسلسلة في توظيف جيد لزمان وقوع الأحداث.
تعتبر هذه الرواية وثيقة مهمة ، حيث يفضح فيها الكاتب و يكشف الممارسات اللاانسانية بحق الشعب العراقي و لعل قرار قطع يد التجار هو الأسوأ بين كل القرارات التعسفية و التي صدرت في تلك الفترة الزمنية المظلمة ، يقول الكاتب : سبب قرار قطع اليد المشاكل للسجناء الذين أصبحوا عاجزين بعد قطع ايديهم و بحاجة إلى رعاية خاصة ص 31
ومن المفارقات التي حدثت في هذا الملف، أنه و بعد سقوط النظام عام 2003, قام الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن باستقبال التجار الذين تم قطع ايديهم ، حيث تم علاجهم في أمريكا مع تعويضهم بمبلغ 100 ألف دولار أمريكي لكل تاجر.
نجد في هذه الرواية العزيمة و الصبر على المآسي لبلوغ الهدف المنشود من خلال الصبر و الثبات ، يقول الكاتب : لم تكن مرافئ حياتي آمنة ، فعندما تحطمت كل سفن السعادة ، رغم هذا لم أفقد الأمل في يوم من الأيام ليقيني بأن ما كتبه الله سوف أحصل عليه و لو بعد حين ص 85
ويمتلك بطل الرواية الكثير من الأمور التي تجعله يعيش من أجلها ويتحمل بسببها ألوان العذاب (العائلة – المستقبل – الحبيبة)
هذه الأسباب هي التي جعلت البطل صامدا و منعته من الاستسلام
قام الكاتب بتسليط الأضواء على جرائم النظام السابق ، و منها اعتقال كل من يقوم بزيارة الإمام الحسين عليه السلام مشيا على الأقدام ، يقول الكاتب: لقد تم اعتقالي بتهمة الزيارة مشيا على الأقدام ، لم أكن اتوقع ان هناك عقوبة تنتظر من يذهب لزيارة الإمام مشيا على الأقدام ص 72
من المحطات المهمة في هذه الرواية هي طرح الآراء الفلسفية من خلال الرواية علينا أن نتعلم من الرسائل التي تصل إلينا كل يوم ، الناس رسائل ، مواقفهم ، حقدهم، حبهم ، كلها رسائل ، هم يأتونا كي ينيروا فينا تلك البقعة المظلمة القابعة في داخلنا ، مواقفهم رسائل تجعلنا نستيقظ من غفوتنا ، فقط حينما نحسن قراءة تلك الرسائل ص 74
يستخدم الكاتب أسلوب الفلاش باك الاسترجاع الفني في سرد أحداث الرواية
ويعرف الفلاش باك على أنه سردية تستخدم في السينما و التلفزيون و الأدب يتم فيها قطع التسلسل الزمني الحالي للقصة للانتقال إلى مشهد أو حدث وقع في الماضي.
والفلاش باك استجابة ذهنية تعكس الحاجة إلى العودة للماضي لنبش أحداث مؤلمة او سعيدة ما زالت عالقة في الذهن.
ان استرجاع لحظات من القلق و الألم تجعلنا نشعر بها حتى و ان كنا قد تجاوزنا هذه اللحظات منذ زمن بعيد.
يقول الكاتب :أتذكر في سنين دراستي تحدثت مع أصدقائي بسوء عن شعار الحزب أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ، و كان هذا الشعار شائعا ، و رغم ان الحديث عن هذا الشعار يي بنا إلى التهلكة ، إلا اننا كتبنا على دفاترنا ، أمة عريانة مسكربة ذات جروخ مبنجرة ص 35
ولأن لكل رحلة نهاية ، و لأن الأمل هو الذي يوصلنا إلى بر الأمان ، فقد رست سفينة الآلام عند ضفاف مترعة بالحب و الاشتياق ، وها هو بطل الرواية يتخلص من عذاباته وسجنه و يعود إلى ممارسة حياته الطبيعية و يلتقي بحبيبته التي انتظرته طيلة الفترة التي قضاها في غياهب السجن ليعلن عن إنتصار الحب أمام ظلم الجلادين و قسوتهم.