
استهداف البنية التحتية في السودان
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023م، برز استهداف البنية التحتية والمنشآت الحيوية ضمن أبرز أنماط العمليات التي ارتبطت بمليشيا الدعم السريع، بما يكشف عن بُعد خطير في مسار الحرب وامتداداتها الاستراتيجية.. فحجم الدمار الذي لحق بالمرافق الخدمية والإنتاجية، واتساع نطاقه الجغرافي والقطاعي، واستمرار الاعتداءات على المنشآت الحيوية بعد استعادة القوات المسلحة السيطرة على مناطق واسعة، كلها مؤشرات تستدعي قراءة تتجاوز توصيف الوقائع المنفردة إلى تحليل الغايات المحتملة وراء هذا السلوك، وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج تمس مستقبل الدولة وقدرتها على التعافي.
*في الخرطوم، ثم في المدن التي امتدت إليها سيطرة المليشيا، تعرضت محطات الكهرباء والمياه والمطارات ومستودعات الوقود والمستشفيات والجامعات والمدارس والمصانع والمزارع وشبكات الاتصالات والطرق والجسور والمتاحف لعمليات تخريب ونهب وتدمير متفاوتة.. وامتدت الاعتداءات إلى تفكيك التمديدات الكهربائية وسرقة الكوابل النحاسية والمعدات الصناعية ومكونات شبكات الخدمات.. وقد أصابت هذه الممارسات قطاعات تمثل البنية الأساسية للحياة والإنتاج، وألحقت أضراراً برأس المال الاقتصادي والمعرفي للدولة، بما تجاوز الخسائر المادية المباشرة إلى تعطيل الوظائف الاجتماعية والاقتصادية للمناطق المتضررة.
*وتكشف طبيعة المنشآت المستهدفة عن دلالة استراتيجية عميقة؛ فالكهرباء تمثل العمود الفقري للخدمات والإنتاج، والمياه أساس الاستقرار السكاني والصحي، والاتصالات عصب الإدارة والتنسيق، والوقود محرك النقل والزراعة والصناعة.. أما المستشفيات والمؤسسات التعليمية، فتمثل ركائز بقاء المجتمع وتجديد قدراته البشرية والمعرفية.. وحين تتعرض هذه القطاعات مجتمعة للتدمير، تتشكل أزمة مركبة تتداخل فيها معاناة السكان مع تراجع النشاط الاقتصادي، وتزداد معها صعوبة استعادة الحياة الطبيعية، حتى في المناطق التي تنحسر عنها العمليات العسكرية.. ومع تقدم القوات المسلحة واستعادة السيطرة على مناطق واسعة، برز تحول لافت في وسائل الاستهداف ونطاقه. فقد تصاعدت مؤخراً الهجمات بعيدة المدى باستخدام الطائرات المسيّرة، بالتوازي مع نمط التخريب المباشر الذي شهدته المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا، مستهدفةً محطات الكهرباء ومنشآت الوقود في مواقع شملت المرخيات وأم دباكر والفاو والجنيد وشندي وهيا وأبو حمد والدبة، كما شملت هذه الهجمات محطات كهرباء الغزالي في مروي و محطات اروما وحلفا الجديدة، إلى جانب مواقع أخرى بلغت في مجملها سبعة عشر موقعاً ومحطةً كهرباء حتى الان.. ويعكس هذا التحول محاولة لتعويض خسارة السيطرة الميدانية بالقدرة على إحداث اضطراب اقتصادي وخدمي في العمق الوطني، وإبقاء مناطق الاستقرار والإنتاج تحت ضغط مستمر رغم ابتعاد خطوط المواجهة عنها.
*ويحمل تكثيف الهجمات بالمسيّرات دلالة عسكرية وسياسية إضافية، تتمثل في سعي المليشيا إلى التغطية على هزيمتها في عدد من جبهات القتال، وتراجعها الميداني عبر إبراز قدرتها على المبادأة وإحداث التأثير خارج مسارح القتال المباشر.. كما أن طبيعة هذه الهجمات، وما تتطلبه من إمكانات تقنية وإمداد مستمر، وتزامن تصاعدها مع الضغوط الخارجية الداعية إلى هدنة، تثير تساؤلات حول احتمال توظيف دعم إقليمي للمليشيا في رفع كلفة استمرار العمليات العسكرية، ودفع الجيش والحكومة إلى قبول الهدنة، وكذلك الموافقة على ترتيبات وقف القتال بشروط أكثر ملاءمة لها.. وإذا صح هذا التقدير، فإن الهدنة المطروحة قد تحمل، إلى جانب أهدافها الإنسانية المعلنة، غايات تتصل بإتاحة الوقت لإعادة تنظيم المليشيا وتعويض خسائرها وتحسين أوضاعها العسكرية والميدانية.. ويظل إثبات هذا الترابط مرهوناً بأدلة تتجاوز مجرد تزامن الأحداث، بما يستوجب قراءة دقيقة لتوقيت المبادرات وشروطها وضماناتها، مع المحافظة على أولوية حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية.
*وتزداد خطورة هذا التطور مع المعلومات التي أعلنتها الجهات السودانية بشأن انطلاق هجمات من داخل الأراضي الإثيوبية، إلى جانب هجمات انطلقت بالفعل من نيالا ومناطق أخرى في تخوم دارفور.. وتحمل هذه المعطيات؛ والتي تأكدت بأدلة فنية مستقلة، أبعاداً تتجاوز المواجهة الداخلية إلى مسائل تتعلق بالسيادة الوطنية وأمن الحدود والمسؤولية الدولية.. وقد أكدت المعلومات والأدلة التي أعلنتها الجهات السودانية استخدام الأراضي الإثيوبية منصاتٍ لانطلاق الهجمات بالمسيّرات على المنشآت الحيوية داخل السودان، وهو تطور خطير يضع السلطات الإثيوبية أمام مسؤولياتها القانونية والسياسية عن منع استخدام أراضيها في أعمال عدائية ضد دولة مجاورة، ويستوجب مساءلتها عن طبيعة الدور الذي اضطلعت به في تسهيل هذه العمليات أو دعمها، وفق ما تثبته الأدلة المتاحة.. وتشير طبيعة الهجمات واتساع مداها ودقة استهدافها للمنشآت الحيوية إلى مستوى من القدرات التقنية والاستخباراتية واللوجستية يتجاوز، وفق التقدير العسكري، ما تمتلكه المليشيا المتمردة من قدرات، وكذلك ما تستطيع توفيره بإمكاناتها الذاتية وحدها.. ويعزز هذا التقدير ما ورد في تقارير دولية بشأن وصول أسلحة متطورة إلى المليشيا عبر الإمارات، وما أعلنته السلطات السودانية عن استخدام الأراضي الإثيوبية في إطلاق المسيّرات، بما يثير تساؤلات جدية حول وجود منظومة إسناد إقليمية تشمل التسليح والتخطيط والتشغيل والدعم الفني واللوجستي. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء الاتهامات السودانية بشأن الاستعانة بمشغلين وخبراء أجانب، من بينهم أوكرانيون يمتلكون خبرة عملياتية متقدمة في حرب المسيّرات، بما فيها استهداف البنية التحتية للطاقة في سياق الحرب الروسية الأوكرانية. ويثير نمط الهجمات الأخيرة على محطات الكهرباء السودانية ارتفاع احتمالية الاستفادة من تلك الخبرات والأساليب العملياتية، الأمر الذي تشير إليه بصمة فنية مشابهة في اختيار الأهداف وتخطيط الهجمات وتنفيذها عُرِف بها الاوكران، دون أن يشكل هذا التشابه وحده دليلاً قاطعاً على هوية المشغلين، ولكن التشابه يقوي هذه الفرضية عند قراءته مع قرائن اخرى. وإذا ثبت هذا الترابط، فإننا نكون أمام مستوى أكثر تعقيداً من تدويل الحرب، تتداخل فيه قدرات المليشيا مع مصالح أطراف إقليمية وخبرات تشغيلية أجنبية، ضمن عمليات تستهدف استنزاف الدولة السودانية وإضعاف مقومات صمودها والتأثير في مسار الحرب ومآلاتها.
*ومن منظور استراتيجي أوسع، يمكن قراءة هذا النمط من الاستهداف بوصفه محاولة لنقل مركز الثقل في الحرب من السيطرة على الأرض إلى استنزاف قدرة الدولة على إدارتها.. فتعطيل الكهرباء والمياه والوقود يرفع كلفة الحياة اليومية، ويعرقل عودة النازحين، ويؤخر استئناف الإنتاج، ويستنزف الموارد العامة في إصلاح منشآت معرضة للتدمير المتكرر.. ويشير تكرار هذه الاعتداءات وانتظام استهدافها للمنشآت الحيوية إلى نمط متعمد ومتسق، تتجاوز غايته المحتملة إحداث الضرر الآني إلى إضعاف قدرة الدولة على التعافي، وتحويل المعاناة المدنية إلى مصدر ضغط اقتصادي واجتماعي وسياسي.. وهنا تتجلى إحدى أخطر خصائص هذه الحرب، وهي امتداد الاستنزاف إلى ما بعد توقف العمليات العسكرية.. فالمنشآت المدمرة تتحول إلى التزامات مالية وتنموية طويلة الأجل، وتستهلك إعادة بنائها موارد كان يمكن توجيهها إلى الاستثمار والإنتاج والخدمات. وكل تأخير في استعادة البنية التحتية يضاعف تكلفة التعافي، ويؤخر عودة السكان ورؤوس الأموال والأنشطة الاقتصادية. وبذلك تصبح كلفة إعادة الإعمار جزءاً من الأثر الاستراتيجي للحرب، وقد تستمر تداعياتها سنوات بعد استعادة الأمن والاستقرار.
*وتبرز في هذا السياق مسؤولية قانونية تستوجب التوثيق والمساءلة.. فالقانون الدولي الإنساني يحظر تعمد استهداف الأعيان المدنية، ويقرر حماية خاصة للمستشفيات والمنشآت الضرورية لبقاء السكان، مع خضوع تحديد الأهداف العسكرية لضوابط صارمة. ومن ثم فإن توثيق طبيعة المنشآت المستهدفة، وحجم الأضرار، والوسائط المستخدمة، ومصادر انطلاق الهجمات، والجهات المسؤولة عنها، يمثل ضرورة لحفظ الحقوق وإسناد المطالبات القانونية، وبناء ملف متكامل للمساءلة والتعويضات.. وتفرض هذه التطورات تطوير مفهوم حماية العمق الوطني، بحيث تصبح المنشآت الحيوية جزءاً أصيلاً من التخطيط الدفاعي والأمني للدولة.. ويتطلب ذلك تعزيز منظومات الإنذار والحماية، وتوفير بدائل تشغيلية وشبكات احتياطية، وتقليل الاعتماد على المرافق المركزية المعرضة للتعطيل، إلى جانب دعم جهود المؤسسات والكوادر الفنية التي تعمل في ظروف استثنائية لإعادة الخدمات واستمرارها. كما تبرز الحاجة إلى إدماج حماية البنية التحتية ضمن استراتيجية وطنية تجمع بين مقتضيات الدفاع ومتطلبات الصمود الاقتصادي والتعافي المبكر.. إن استعادة الأرض تمثل إنجازاً عسكرياً وسيادياً بالغ الأهمية، وتستوجب المحافظة على مكتسباتها تأمين المرافق الحيوية واستدامة الخدمات والإنتاج. كما أن أي ترتيبات لوقف إطلاق النار ينبغي أن تستند إلى ضمانات واضحة تمنع استغلالها لإعادة التسليح والتموضع، وتكفل حماية المدنيين والمنشآت الحيوية، حتى تحقق غاياتها الإنسانية وتفتح طريقاً حقيقياً نحو الاستقرار.
*إن المعركة على البنية التحتية أصبحت معركة على مستقبل الدولة السودانية نفسه؛ فكل محطة كهرباء تُحمى، وكل مرفق يُعاد تشغيله، وكل مصنع أو مزرعة تستأنف الإنتاج، يمثل استعادة فعلية لقدرة الدولة والمجتمع على الصمود.. والانتصار الاستراتيجي الذي يحتاجه السودان هو الذي يجمع بين تأمين الأرض وحماية الإنسان وصيانة الموارد وإعادة بناء القدرة الوطنية على الحياة والنهوض.