الحب كالصبح .. يغني
د . مها العتيبي – السعودية:
( ١ )
غافلتَ أيامي وأشعلتَ الهوى
وترمَّدتْ في راحتيكَ رغابي
قلتَ اجعليني لثغةً أَحْيي بها
كلمات عشقٍ مرهفٍ خلابِ
ثمَّ اعزفيني فوق أوتار الجوى
وتمايلِي في لهفة بصوابي
ولتزرعِي منَّي هواكِ بأضلعي
ولتغسلي بالحبَّ كل عذابي
عاهدتَني ألا تخونَ وليتني
كذّبتُ منك العين حين عتابي
ولقد بذلتُ لأجل حبَّكَ قربتي
حزنِي قصيدي لوعتِي وشبابي
يا ليلَ أشواقي وصبحَ مودتي
وحنينَ قافيتي وعطرَ ثيابي
خالفتَ ميعادي وخنت مشاعري
وزرعتَ هجرك في طريقِ إيابي
ورسمت للحلم الجميلِ نهاية
قد بعثرتها رعشةُ المرتاب
( ٢ )
قصيدة أَقْمَارُ سَمَرْقَنْدْ – شعر د. مها العتيبي
سَمرقندُ يا أُمَّ الحضارةِ والمنى
فيهَا تَجَلَّتْ حِكمةُ الإنسانِ
(زَرْقَاءُ) يَلْثِمُهَا الجَمَالُ فَأَشْرَقَتْ
وَتَفَتَّحَتْ فِي مَعْجَمِ الأَلْوَانِ
وتمر في مُدُنِ الْقَصَائِدِ فِتْنَةٌ
تهدي العُيونَ بلحظِها الوَسْنَانِ
تتدرَّجُ الغاياتُ فيها مثلَما
يروي الصباحُ قصيدةَ الغُفرانِ
حَتَّى تَدَفَّقَتِ المَعَالِمُ نَشوَةً
رُوحِيَّةً هَزَّتْ جُمُودَ مَكَانِ
بينَ القِبابِ، وفي عِمارتِها التي
صَبَغَتْ جَمالَ الرُّوحِ في البُنيانِ
حيثُ اتساعُ الحُلمِ جاءَ مدينةً
لِتَحيكَ شالَ الشّمسِ في (المِيدانِ)
فِي (بَيْبِيَ خَانَمَ) قُبَّةٌ وَمَنَارَةٌ
فَتَنَفَّسَ التَّارِيخُ فِي الأَذَانِ
سَمرقَنْدُ، يَا سِرَّ الزَّخَارِفِ عِندَمَا
يَغْفُو الجَمَالُ بِطَيْفِهِ النُّورَانِي
أَلْوَانُهَا تُغْوِي الحِجَارَةَ بِالنَّدَى
وَتُرِيقُ أَنْهَارًا مِنَ اللَّمَعَانِ
فالدِّينُ والعِلمُ المُبِينُ بَدَا بِهَا
كَالضَّوْءِ مُنسَابًا عَلَى الجُدرَانِ
نُقِشَتْ عَلَى الأَبْوَابِ سِفْرَ تَنَوُّعٍ
تَحْيَا بِهِ أُمَمٌ بِكُلِّ لِسَانِ
وَيَمُرُّ تُجَّارٌ لَهُمْ أَثَرٌ بها
عَبْرَ الرُّبَى، مِنْ أَوَّلِ الأَزْمَانِ
فَتَشَكَّلَتْ (طُرُقُ الحَرِيرِ) بِبَلْدَةٍ
كَالدُّرَّةِ الغرَّاءِ فِي الأَوْطَانِ
أبصَرْتُ فِيهَا وَجْهَ صُوفِيٍّ بَدَا
سِرٌّ تَسَامَى فِي طَرِيقِ جِنَانِ
وَسَمِعْتُ أَقْدَامَ المُحِبِّينَ الَّتِي
جَابَتْ عُصُورَ العَاشِقِ الظَّمْآنِ
وَكَأَنَّ (َنقْشَبَنْدَ) بسكتها مَشَى
أَنْفَاسُهُ تُجْرِي الدُّرُوبَ أَمَانِي
وَمَآذِنٌ لِلْعَارِفِينَ تَمَدَّدَتْ
نَبَضَتْ عَلَى شَفَةِ السَّنَى بِأَذَانِ
سَمَرْقَنْدُ، يَا سِرَّ الْبَهَاءِ تَمَايَزَتْ
بحنينها الرَّقْرَاقِ فِي الْبُلْدَانِ
صَارَتْ مَزَارَ الْقَادِمِينَ كَأَنَّهَا
بَابُ الْقَصِيدَةِ، حِرْفَةُ الْفَنَّانِ
وَيَمُرُّ (خَيَّامٌ) بِهَا فَيَضُمُّهَا
يَهمي بِهَا شِعْرًا كَثِيفَ مَعَانِي
فَالشِّعْرُ هَنْدَسَةُ الْحَيَاةِ تَشَرَّبَتْ
بِالْحُبِّ، وَالْأَنْغَامِ، وَالْأَوْزَانِ
نَامَتْ عُلُومُ الكَوْنِ فَوْقَ تُرَابِهَا
ثُمَّ اسْتَفَاقَتْ فِي صَدَى الأَذْهَانِ
قَدْ كَانَ (كَاشِيٌّ) هُنَاكَ مُنَجِّمًا
وَيُقِيمُ مِيزَانًا مِنَ الْبُرْهَانِ
فِي مَرْصَدِ الْأَفْلَاكِ كَانَ مُفَكِّرًا
وَجَدَ (الكُسُورَ العَشْرَ) بَعْدَ تَفَانِي
وَتَفَجَّرَتْ أَنْهَارُ عِلْمٍ ثَجَّةٌ
تَسْقِي الْمُرِيدَ عُذُوبَةَ الْإِيمَانِ
هَذَا (السَّمَرْقَنْدِيُّ) أَبُو اللَّيْثِ الَّذِي
قَدْ فَسَّرَ الْقُرْآنَ فِي تِبْيَانِ
فَتَمَثَّلَ الْفِقْهُ النَّقِيُّ كَأَنَّهُ
نُورٌ تَجَلَّى مِنْ هُدَى الْقُرْآنِ
تَتْلُو السَّمَاءُ مَعَ الْحَمَائِمِ سُورَةً
وَتُفِيضُ مِنْ وَجْدٍ عَلَى الْأَكْوَانِ
فتُضِيءُ أَقْمَارُ سَمَرْقَنْدَ الدُّجَى
وَتَهِيمُ أَرْوَاحٌ بِغَيْرِ عِنَانِ
( ٣ )
فأمسكُ بالحنين فذاكَ وصلٌ
به الأشواقُ تخبرُ من تولى
حبيبي نبرةُ الأيام قهرٌ
وتلك الرُّوحُ ترجو أن تحُلا
بروحكَ أرتوي وصلاً عظيمًا
وأوشكُ في لقاك بأن أضلا
ترانيمي وأسمائي وقلبي
وكلُّ فريدةٍ جاءت تحلّى
( ٤ )
لي بعينيك لقاء الأمل
وصلاة العاشق المبتهل
وحنينٌ ضمّ شوقي بعدما
أرهفَ القلب بحلو الغزل
فأصاب الحبّ في محرابه
وتثنى عاصفاً في خجل
وتغنّت هائمات أحرفيي
مسّها الحبّ فقالت هيت لي
( ٥ )
صبحًا أتيتِ، فطفلة آنستها
لغة النساء عذوبة التكوين
جاءت كما الأعياد في إنشادها
وتوجست في عيدها الميمون
ما كان هذا الحب من أحلامها
بردٌ ويغفوَ فوق عذب لحون
لكنها جاءت بفكرة عاشقٍ
وأمان أغنية وطيف سنين
( ٦ )
بِرُوحِكَ تَرْتَوِي رُوحِي حَنَانًا
فَأَهْلُ العِشْقِ مَعْنَانَا وَخِلِّي
يَذُوبُ مِنَ الهَوَى، أَفْدِيهِ شَوْقًا
تَمَثَّلَ فِيهِ فِي خَفَرٍ يُجَلِّي
عُيُونُكَ تَسْتَغِيثُ بِمِلْءِ حُسْنِي
وَفِي دَمْعِي وَفِي صَوْتِي لَعَلِّي
أُجَدِّدُ فِي هَوَاكَ رَسِيسَ وَصْلِي
أُرَتِّبُ لَحْنَنَا عِشْقًا، فَمَنْ لِي؟
( ٧ )
وَفِي اَلصَّحَارِي بِلَادٌ لَوْ هَتَفَتُ لَهَا
أَنَّا اِنْتِمَاءً وَكُنْتِ اَلْوَجْدَ وَالشَّغَفَا
مِنْ دُونِ نَجْوَاكَ لَا شَك أُرَدِّدُهُ
وَلَا قَلِيل يُعِيدُ اَلْحُبَّ لَوْ تَلَفَا
وَلَا سَمَاءٌ لَهَا فِي أُفقِهَا وَلَهٌ
تُعِيدُ فِي لُغَةِ اَلْآتِينَ مِنْ هَتَفَا
تَسْتَلُّ مِنِّي جَنَاحَ اَلْحُبِّ يَا وَطَنًا
يُحْيِي اَلصَّبَابَةَ فِي إِيمَانِهِ عُرْفَا
حِينَ اِشْتِدَادِ حَيَاةٍ كَانَ مَوَّلَهُ
فِي وَجْهِ عَاتِيَةٍ مَا خَافَ مَا اِرْتَجَفَا
وَظَلَّلَ اَلنَّخْلَ فِي أَعْمَاقِهِ سُورًا
وَعَانَقَ اَلرَّمْلَ فِي مَسْرَاهُ وَالسَّعَفَا
( ٨ )
أُحِبُّكَ فَاتِنًا كَالصُّبْحِ أَعْنِي
رَهَافَتُهُ، لَطَافَتُهُ، وَعِطْرِي
أُحِبُّكَ عَاشِقًا بِفُتُونِ قَلْبِي
بِلَحْنِي، بِالطَّرِيقَةِ حِينَ تَرْوِي
مَقَامَاتِ الْهَوَى فَيَذُوبُ صَبْرِي
وَأُغْنِيَةُ الْوِدَادِ، فَذَاكَ عُمْرِي