
مجلس المواشي..جسر للتعافي
همس وجهر
ناهد أوشي
*في ظل اقتصاد تآكل بسبب الحرب، يمثل قطاع الثروة الحيوانية رئة الاقتصاد السوداني يتنفس من خلالها السودان بمثل ما يمثل القطاع الزراعي من عمود فقري تستند عليه البلاد في كل الأزمات فالقطاعين مكملين للأمن الغذائي والأمن المالي من حيث توفير عائدات الصادر وضخ العملة الصعبة في جسد الدولة المنهك.. وتوفير تكاليف استيراد المدخلات الإنتاجية.. غير ان قطاع الثروة الحيوانية (القطاع الحيوي) ورغم أهميته يدار اليوم بعقلية الفوضى والسمسرة والمضاربات، بلا مجلس ينظمه، ولا قانون يحميه، ولا رؤية تحفظ قيمته.
*لقاء وزير الثروة الحيوانية والسمكية البروفيسور أحمد التجاني المنصوري مع اتحاد غرف الزراعة والإنتاج الحيواني بدار اتحاد الغرف التجارية مؤخرا لم يكن لقاءً عادياً بل كان تشخيصاً صريحاً لأزمة متراكمة تفاقمت بالحرب حيث تمويل معدوم، ووقود وطاقة غائبة، أعلاف بأسعار فلكية، نقل وتبريد متعطل، محاجر ومسالخ خارج الخدمة، ورسوم وجبايات تلتهم ما تبقى من أرباح المنتج والمصدر.
*وما كشفه د. خالد المقبول نائب رئيس اتحاد غرف الزراعة والإنتاج الحيواني هو الأخطر فالقطاع لا يعاني من تداعيات الحرب فقط، بل يواجه تعدد الأبواب الموصدة في وجهه تمويل، وقود ، طاقة ،الأعلاف ، النقل والتبريد،المحاجر، المسالخ والرسوم،الجبايات، معوقات الصادر
حيث ان كل رسم يقتطع من تنافسية اللحم السوداني في الأسواق الخارجية والنتيجة عوائد صادر لا تعود، مضاربات (تهيج)الأسعار، وتضارب يضرب سمعة السودان.
*هذه الفوضى وتلك التحديات لا تعالج إلا من خلال مجلس المواشي واللحوم السوداني على غرار التجربة الأسترالية فالشاهد ان استراليا ونيوزيلندا لم تصبحا عملاقي تصدير اللحوم في العالم بالفوضى وتلك الرسوم المتعددة بل بالمجالس المنظمة التي تربط المنتج بالمصدر بالمربي بالمسلخ بسلسلة قيمة واحدة، تضع المواصفات، وتضبط الأسعار، وتسترد عوائد الصادر، وتمنع التهريب والسمسرة.
*نحن في السودان نملك ثروة حيوانية ضخمة وأفضل المراعي، لكننا نفتقد لأبسط مقومات التنظيم والحرب كشفت عورة هذا القطاع أكثر من أي وقت مضى.
*ما وعد به وزير الثروة الحيوانية بتشكيل لجنة سريعة خلال أسبوع، ومرافقة القطاع لكل الأبواب لحلحلة الاختناقات، هو خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها لن تكفي دون قرار سيادي شجاع بإنشاء مجلس المواشي واللحوم.
*هذا المجلس ليس ترفاً بيروقراطياً جديداً، بل هو ضرورة أمن قومي واقتصادي بدونه ستظل الثروة الحيوانية نهباً للسماسرة، وستظل عوائدها حبيسة جيوب الوسطاء، وسيظل المنتج الحقيقي – الراعي والمربي – هو الحلقة الأضعف.
*إن القطاعين العام والخاص كما قال المقبول (جناحان لطائر واحد)، لكن هذا الطائر لن يطير دون جناح التنظيم والمطلوب اليوم ليس اجتماعات تشخيصية جديدة، فقد شبعنا تشخيصاً، بل نحتاج إرادة تنفيذية تعلن قيام المجلس، بقانون ملزم، وصلاحيات واضحة، وتمثيل حقيقي لكل سلسلة القيمة من المرعى إلى الميناء.
*الحرب دمرت المصانع، لكنها لم تدمر المراعي وإذا كانت الصناعة تحتاج لكهرباء ووقود وماكينات، فإن الثروة الحيوانية تحتاج فقط لقرار ينظمها، لتكون جسرنا الحقيقي من مرحلة الصمود إلى مرحلة التعافي الاقتصادي.