السجل الأسود لملف المفقودين..أسماء معلقة على حبال النسيان
- دفن 20 ألف جثة بالخرطوم بدون سجلات او توثيق رسمي
- 11 ألف حالة فقدان حتى سبتمبر 2026 وتحديد مصير 613 فقط
- عصابات إجرامية تطلب أموالا من الأسر مقابل تقديم معلومات عن المفقودين
- مبادرة المعتقلين والمفقودين: الملف غائب عن اولويات الدولة والمجتمع الدولي والإعلام
تحقيق ــ نعمات ابوزيد:
أسماؤهم لا تزال مكتوبة على الجدران.. أصواتهم الأخيرة ما زالت عالقة في هواتفٍ إنقطع عنها الشحن منذ سنوات.. أمٌّ تفتح الباب كل فجرٍ على أملٍ كاذب.. طفلٌ يسأل: متى يعود أبي من الحرب؟ ولا أحد يملك جواباً شجاعاً ليقول الحقيقة.. ظلت قضية مفقودي الحرب من الجنسين تؤرق مضاجع الآلاف من ذوي المفقودين والمعتقلين المدنيين والأسر التي ظلت في حالة قلق بالغ وسؤال دائم عن مصير أبنائها وكثير منهم لا يعرف عنهم شيئاً منذ الأيام لأولى للحرب وحتي الان مصير مجهول ومستقبل قاتم لا احد يعرف مصيرهم حملنا تسأؤلاتنا والتقينا عدد من أهل الشأن واسر الضحايا وخرجنا بالحصيلة التالية عبر هذا التحقيق.
إختفاء زوج:
في بداية جولتنا التقينا (ن.م)، كانت تحكي وحزن الدنيا في صوتها إبتدرت حديثها قائلة: (فجر منتصف ابريل 2023 عند اندلاع الحرب التي راح ضحيتها المئات من المواطنين، مابين إعتقال وإختطاف وقتل بدم بارد، كانت الأحداث تمر وكأنها حلم عميق سيستيقظ منه المواطن السوداني الذي عاني الأمرين من ضيق ذات اليد وفقدان العمل وعدم وجود خيارات أخري للحصول على لقمة العيش.. هذه الأسباب مجتمعة أدت إلي خروج زوجي (م.ص) من مدينة امدرمان التي نقطن فيها قاصدا الولاية الشمالية، بعد مرور 4 شهور من الحرب للبحث عن فرصة عمل، فهو يعمل في مجال الدهب بمنطقة أبو حمد.. وبعد أن وصل إلي مكان عمله هاتفنا فتأكد لنا انه بخير.. وبعد فترة اصبحت منطقة امدرمان غير أمنة بسبب إنتشار المليشيا والإرتكازات فقرر أن يعود مرة أخرى لامدرمان وبعد أن تحرك من منطقة أبو حمد صوب امدرمان إنقطع خبرة ولا نعلم عنه شئ حتي اليوم .. وحسبي الله ونعم الوكيل.
وقالت (س.ع) وهي تحمل في يدها صورة شاب عشريني في مقتبل العمر قالت:(هذا إبني الوحيد ومنذ ٣ سنوات لا نعرف عنه شيئا، خرج كعادته ليبحث لنا عن لقمة نقتات بها ولم يرجع حتي الآن ولا أعلم عنه شيئ، بحثنا في كل مكان عنه ولكن دون جدوى، لم نجد أحدا يدلنا على اي معلومات تفيدنا في العثور عليه).. وهناك إفادات اخرى كثيرة لمعتقلين تم تعذيبهم بإقتلاع أظافرهم بالكماشة، وهو إسلوب تعذيب شائع لدى المليشيا المتمردة ،وبعضهم تم إحتجازه داخل كونتينرات بلا تهوية.
شاهد عيان:
يشير الأستاذ،عبد الله بشير، الصحفي وعضو مبادرة المعتقلين والمفقودين ،إلى تجربة الإعتقال التي تعرض لها خلال وجوده في الخرطوم، في حديثه لـ(أصداء سودانية):(في اللحظة التي كنت أهم فيها مغادرة المنزل بعد أن ساءت الأحوال بدرجة كبيرة، وأصبحت حياتي كصحفي مهددة أكثر من ذي قبل تعرضت للإعتقال من قبل المليشيا، مما اتاح لي التنقل بين ثلاث معتقلات وقفت من داخلها على أوضاع مأساوية مبكية لمئات المعتقلين ومعايشة تجربة ما تعرضوا له من إنتهاكات وفظائع فاقت كل تصور.. فخلال أكثر من ثلاثة أشهر كنا عرضة للتعذيب الجسدي والنفسي وممارسة كافة أشكال القهر، ومن بين هذه الممارسات الحرمان من الطعام والشراب إلا بالقدر اليسير، وكذلك الحجز في ظروف أكثر من سيئة.. ففي معتقل الرياض بالخرطوم تكدس مئات المعتقلين في قبو قذر داخل بناية لا تتوفر فيه أبسط مقومات الحياة، حيث يقبع المعتقلون في مكان مظلم ورطب لا تتوفر فيه التهوية ولا يجدون مساحة كافية للجلوس أو التمدد بجانب الأوساخ والفضلات والروائح الكريهة التي تحاصرنا من كل جهة ،هناك لا يجد الشخص فرصة لإاستحمام إلا مرة أو مرتين خلال الشهر.. لكن رحمة ربنا كانت أكبر من ظنوننا فتم إطلاق سراحنا ضمن مجموعة من المدنيين بعد أن ضاقت أماكن الاحتجاز بالمعتقلين الجدد الذين يتم حشرهم فيها من كافة مناطق ولايتي الخرطوم والجزيرة.
الملف الغائب:
ويواصل الأستاذ، عبدالله بشير، الصحفي وعضو مبادرة المعتقلين والمفقودين: (تؤكد التقارير الموثقة من المنظمات الحقوقية الدولية وجود تعذيب ممنهج، وعنف جنسي، وإعدامات خارج القانون، رغم ذلك لا يزال هذا الملف غائبًا عن أولويات الدولة والمجتمع الدولي، في ظل صمت واسع من الإعلام، والجهات الحقوقية، والمؤسسات الرسمية..هفذه القضية لم تعد مجرد شأن قانوني، بل تحوّلت إلى قضية وطنية ضاغطة في وجدان الرأي العام السوداني، تستدعي وضعها في صدارة أي مسار تفاوضي أو عدلي أو حوار مجتمعي مستقبلاً.. لكن لاحظنا خيبة أمل كبيرة تجاه تعامل أجهزة الدولة المعنية والمنظمات الوطنية والدولية مع هذه القضية الإنسانية الملحّة.
فمنذ خروجنا من معتقلات الدعم السريع في الخرطوم، ظللنا نتابع قضية المعتقلين والأسرى والمفقودين، وحاولنا من خلال تواجدنا في المجموعات التي تضم المعتقلين السابقين وتلك الخاصة بأسرهم أن نقدم أي من أشكال المساعدة بتبادل نشر أسماء وصور المفقودين والمعتقلين والسؤال عنهم وللأسف تعرضت الكثير من الأسر إلى عمليات نصب وإحتيال من قبل مجموعات وأفراد إستغلت الحالة النفسية للأسر وبحثها الدائم عن طرف خيط يوصلها إلى أبنائها، وفي سبيل ذلك تم مطالبتها بدفع اموال طائلة نظير تقديم معلومة عن أبنائها الذين تفتقدهم، ووعود كاذبة بإطلاق سراحهم.
في الآونة الأخيرة رفعت أسر المفقودين والأسرى صوتها مطالبة ذوي الصلة بالملف وأهل الإعلام بممارسة الضغط اللازم بما يملكونه من أدوات تأثير لتحريك الملف، وفي هذا الإطار جاء لقاء مبادرة المعتقلين والمفقودين برئيس لجنة المسار المجتمعي بمبادرة تهيئة الحوار السوداني د. محمد ضيف جلال هاشم وأعضاء اللجنة، للتفاكر حول القضية، ووجدنا تجاوبا منقطع النظير خاصة أن قضية المفقودين والأسرى والمعتقلين تعتبر قضية حيوية ضمن مسارات التعافي الإجتماعي، فهناك شريحة كبيرة من المواطنين والمواطنات لا يعرف مصيرهم حتى الآن؛ كما ان هناك فئة كبيرة تعرضت للانتهاكات والعنف الجسدي ويشمل ذلك الإغتصاب وأحداث الإعاقات والضرر النفسي الذي يحتاج إلى علاج مكثف للوصول إلى مرحلة التعافي.
أرقام صادمة:
تشير إحصائيات للجنة الدولية للصليب الأحمر عن مفقودي حرب السودان حتى سبتمبر 2026- إلي تسجيل أكثر من 11 ألف حالة فقدان لدى الصليب الأحمر في السودان، منهم أكثر من 9 آلاف حالة تم توثيقها منذ إندلاع الحرب في أبريل 2023 فقط ،ليرتفع عدد الملفات بأكثر من 40% خلال العام الماضي وحده ..أما خلال الستة أشهر الأولى من 2026 تمكنت فرق التتبع من تحديد مصير ومكان 613 شخصاً كانوا مسجلين كمفقودين وساعدت اللجنة مع الهلال الأحمر السوداني أكثر من 38,500 شخص إنفصلوا عن أسرهم على إستعادة الإتصال خلال أول 3 أشهر من 2026 فقط ، حيث تم تسهيل أكثر من 80 ألف مكالمة لإعادة الروابط العائلية داخل السودان ومع دول الجوار.
وكشف المتحدث باسم الصليب الأحمر، فريد الحميد ،عن أرقام صادمة في العاصمة الخرطوم وحدها حيث تشير التقارير إلى دفن أكثر من 20 ألف جثة بدون سجلات أو توثيق رسمي مما يترك الأسر بلا يقين حول مصير ذويهم.. وتشير اللجنة الي إن هذه الأرقام لا تمثل سوى جزء ضئيل من الأعداد الحقيقية لأن آلاف الحالات لم يتم الإبلاغ عنها بسبب إنهيار شبكات الإتصال والنزوح المستمر لأكثر من 11 مليون شخص.