آخر الأخبار

قصة / سلوم وتبدد الظنون

حسن الحجي 

السعودية 

 

كان المكان ضيقًا بسبب كثرة رواد ذلك المقهى… كنت قد حجزت مقعدي منذ ساعة ونيف؛ كي أضمن المشاهدة، وحينما دخل صديقي متخطيًا اللوحة الصغيرة المضاءة والتي كُتِب عليها “قهوة السعادة”؛ لم تكن ثمة مقاعد شاغرة! ومن بعيد لوَّحت له ليراني. وصل بعد أن عانى من الازدحام، وأجبرت من بجواري على أن يتفسح؛ كي أُجلِسَ صديقي الذي جمعني وإياه جامع المتناقضات! لم يتسنَ لي النظر في وجهه جيدًا، ورؤية تلك الكدمات الملونة المتوزعة في جميع وجهه إلا بعد بدء المباراة!

انطلقت الكرة تتدحرج فوق المستطيل الأخضر… البرازيل في مواجهة فرنسا على نهائي كأس العالم… كانت المباراة أهم بالنسبة لي من وجه شهاب المليء بالكدمات!

تصاعد دخان “المعسل” من أفواه المدخنين يكدر الهواء… دأب عمال المقهى على توزيع قناني البيبسي، وكؤوس “الكافي”، والشاي على الزبائن، ولم يتمكنوا في هذه الليلة من التقاط أنفاسهم، فبدوا كخلية نحل نشيطة لا تنكفئ تعمل بجد وكد! وحينما توالت أهداف المباراة الشيقة كان النهوض متعذرًا، لما يلاقي الواقف من سباب، وشتائم متنوعة الألفاظ والدلالات! كنت أرغب في الذهاب إلى الحمام لكنني فضلت المكوث؛ حتى لا أسمع ما لا أرغب، إضافة إلى رغبتي الكبيرة في ترقب أنفاس المباراة الأخيرة؛ فأجبرت نفسي على حبس فضلاتي حتى إشعار آخر… كانت ليلة حزينة بالنسبة لي؛ فقد مُنِي البرازيل معشوقي الغالي بخسارة مدوية ومذلة… خسر الكأس، واستحقها الفرنسي بجدارة، جُنّ البرازيليون، وجُنِنْتُ معهم؛ وجُنَّ الفرنسيون، وجُنَّ صديقي شهاب معهم! وها هو زيدان يحمل الكأس الثمينة… هدأت النائرة، واستنام الجميع؛ يمكنني الآن الرحيل بسلام وهدوء… مررت بالحمام وأرخيت مثانتي بعد تشنج، كان صديقي شهاب بانتظاري عند باب المقهى… تماشينا عائدين كل إلى منزله، وبادرته الحديث بقولي: ما بال وجهك؟! هل عاد أشقاء زوجك لضربك؟!

– ألم تنسَ تلك الحادثة البالية؟! لقد مر عليها أكثر من ثلاث سنوات! أما هذه الآثار فتحمل بين طياتها قصة أخرى.

– وما هي؟!

– أحد المرضى تعقبني بعد أن أخطأت في تشخيصه، وأعطيته وصفه ما زادته إلا مرضًا.

– إنك طبيب فاشل!

– لا أحب مهنة الطب. طموحي غير ذلك… إنني أعيش لأجل القلم، والآن أخبرني هل لديك مشروع لهذه الليلة؟

– وهل ثمة مشروع أكبر مما سلف من أمر مشاهدتنا مباراة النهائي؟!

– إنني في إجازة منذ اليوم؛ لذا فكرت في السهر… ما رأيك؟

– إنني راغب في النوم، أكاد أهلك من النصب، اسهر مع زوجك… يمكنك دعوة إخوتها لو أردت.

– إنك تقول ذلك متهكما وكأننا ما زلنا أعداء!

– فلتصادق من تريد، أما أنا فسأرتمي بين أحضان الكرى. مع السلامة.

– مع السلامة.

افترقنا على بعد شارعين من منزلي، لكن الذي حدث بعد ذلك لم يكن في الحسبان! من هنا تبدأ الحكاية حيث شاهدت فتاتين تقفان على ناصية الشارع المؤدي إلى منزلي وكأنهما تتعقباني! وحينما أردت دخول الشارع؛ صُدمت منهما تحاولان الحديث معي! قالت إحداهما بصوت واهن: تعال.

لم أصدق أذني! تجاهلتهما لكن صوت الأخرى أكد ما سمعت أذناي إذ خاطبتني: سلوم… هيا تعال… إننا نتحدث معك!

أصبت بالخوف؛ لذا حثثت الخطى هاربًا منهما، ودلفت إلى منزلي، وكلي حيرة مما حدث، كنت غير قادر على تصديق ذلك! وفي اليوم التالي لم يصدق شهاب روايتي للقصة الأمر الذي دفعني إلى الشك في قدرتي العقلية!

مر أسبوع كامل تناسيت فيه ما حدث، وفي هذا اليوم جاءني فتى يافع وأنا أسير في الشارع، أخبرني بضرورة الذهاب إلى مفترق الطريق… أردت تجاهله فدفعني الفضول لمعرفة ما يجري! وحينما صرت هناك؛ ظهرت تلكما الفتاتان من العدم، فوجدتني مبهوتًا، تائه الشعور… طوقتاني، وحصرتاني بحيث تظافر ارتباكي مع حصارهما في جعلي أتسمر! جاءني صوت الأولى عذبًا سائغا كالزلال: لماذا تهرب منا؟!

ازدردت ريقي بوجل… لا شك وأن مصيبة بانتظاري!

– ماذا تريدان مني؟!

وجاء صوت الثانية مرحًا كسطور الغرام في خطاب الحب: هل يمكنك أن تهدأ حتى نتمكن من الحديث معك؟!

حاولت الهدوء قليلا، وجاء صوت الأولى في غنج محبب: لا تخف فنحن لا نريد بك شرًا.

– ماذا تريدان إذًا؟!

الأولى: سوف نشرح لك كل شيء، فلا تخف، ولا تجزع.

باغ الدم في عروقي.

– قولا.

الثانية: نحن صديقتان مقربتان، لكن أمرًا قد طرأ كاد يفرقنا.

– ما شأني؟!

الأولى: أنت الذي أوشكت على تفريقنا.

بغث لوني.

– متى رأيتكما حتى أفرقكما؟!

الثانية: حسنًا… لا بد لنا من البوح… نحن جيرانكم… هي وأنا.

الأولى: وقد وقعتُ في الحب.

– ثم ماذا؟!

الثانية: وأنا وقعتُ في الحب أيضًا.

الأولى: أخبرتُ صديقتي المقربة بذلك.

الثانية: فقلت لها: إنني أحب أيضًا!

– أرجوكما ارحماني… ما شأني بكما وبحبكما هذا؟!

الأولى: لقد أحبت حبيبي!

الثانية: أجل لقد أحبت حبيبي!

– وما علاقتي بكما، وبحبيبكما اللعين ابن اللعينة؟!

بصوت واحد قالت الأولى والثانية: أنت حبيبي.

رمقتهما بذهول وتساءلت بصوت مسموع: أ أنا اللعين؟!

بصوت واحد قالتا: وابن اللعينة.

&&&

– إذن أنتما تريدان مني أنا سلوم أن أتزوج واحدة منكما لأنكما واقعتان في حبي!

الأولى: أجل.

الثانية: لهذا دعوناك.

– ومن أين لي بمهر التي سأختارها؟!

الأولى: نهبك المهر.

– وأين سأسكنها؟!

الثانية: التي سوف تختارها هي من ستُسكِنك.

لا شك وأنهما مجنونتان! كلا بل قبيحتان.

– ولكن أنى لي أن أختار دون أن أرى وجهيكما؟!

وهنا كشفتا عن وجهيهما؛ فبهت سلوم، وتبددت جميع ظنونه إذ شاهد قمرين واقفين أمامه! ضاعت معالمه، وتاه فكره… ما بك يا سلوم! هل أنت تحلم؟!؟ أنت الفتى الفقير، غير المتعلم، العاطل عن العمل تساق إليك هذه النعم فتردها!

الأولى: هل اخترت؟!

الاختيار متعسر يا سلوم.

الثانية: هل اخترت يا سلوم؟!

– أجل… لقد اخترت.

بصوت واحد الأولى والثانية: أينا اخترت؟!

– كلتيكما.

بصوت واحد: قبلنا.

– ليتكما بكرتما قبل أسبوع لكنا شاهدنا مباراة البرازيل وفرنسا معا ..!